(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) [سورة النحل: 25] .
ثم إن التمحيص -كما أسلفنا- أداة ضرورية من أدوات انتصار الحق .. ففترة انتفاش الباطل هي في حقيقتها فترة التحضير لانتصار الحق، كما تشير الآية الكريمة في آل عمران، إذ يجيء التمحيص أولا ثم يجيء بعده محق الكافرين. ومن ثم فإن انكماش الحق في تلك الفترة أمام صولة الباطل ليس هزيمة له في الحقيقة، إنما يكون الباطل -بيديه- يدرب الحق للانتصار في المعركة الفاصلة!
ومما تجدر الإشارة إليه أن المثل الذي ضربه الله لصراع الحق والباطل في القرآن الكريم قد احتوى لفئة ذات دلالة:
(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) [سورة الرعد: 17] .
"ففتنة"الذهب والفضة على النار هي صهرهما لإخراج الخبث الذي يخالطهما حتى يكونا خالصين ثمينين رفيعين. وفتنة المؤمنين تتم في نار الابتلاء، التي تصهرهم، فتخرج الخبث من نفوسهم، من شهوات وأهواء، حتى يكونوا خالصين لله، متجردين له، صالحين من ثم لحمل الأمانة التي قدر الله أن يحملها الإنسان، ولا تتم فتنة الذهب والفضة إلا بتلك النار التي يوقدون عليها، ولا يتم تمحيص المؤمنين كذلك إلا بتلك النار التي يوقدها الأعداء .. مع الفارق .. فإن الناس يوقدون النار على الذهب والفضة وهم يعلمون أن هذا هو السبيل الوحيد لتنقيتهما من الخبث. أما الطغاة فيوقدون النار -نار الفتنة- على المؤمنين يحسبون أنهم بذلك يقضون عليهم، فيكون من قدر الله أن يتم بذلك تمحيص المؤمنين، ليتم قدره من محق الكافرين ..
أما الأمر الثاني فهو أن التمكين في الأرض ليس هو الضورة الوحيدة لانتصار الحق على الباطل وإن كانت هي الصورة الغالبة
فانتصار الحق في موقف السحرة من فرعون هو قمة من قمم الانتصار في التاريخ البشري، وإن كانوا لم يمكنوا في الأرض بأشخاصهم. إنما كان الانتصار أنهم استعلوا على الباطل كله، وعلى الطغيان كله، وأعلنوا كلمة الحق التي يريد الطاغوت أن يطمسها ويمحوها من الأرض، كما استعلوا في داخل نفوسهم على الخوف وعلى رغبة الحياة، فأعلنوا بذلك أن الحق أثمن من الحياة! واستمع إلى قولتهم الشامخة لفرعون:
(قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [سورة طه: 72 - 73] .
فأيهما الأعظم، والأرفع، والأروع في ميزان القيم"الإنسانية"النبيلة: هم؟ أم فرعون الذي قتلهم وصلبهم في جذوع النخل؟ وأيهما المنتصر الحقيقي: الذين آمنوا بالحق فرفعهم عن متاع الأرض كله، أم الذي استعبدته الحياة الدنيا فأعمته عن الحق؟!
وكذلك قصة أصحاب الأخدود: