يوجد في الغرب منذ بدايات هذا القرن (1) ما يمكن أن نطلق عليه"لوثة التطور". فقد أحدثت نظرية التطور التي نادى بها دارون (2) هزة عنيفة في الحياة الأوربية في جميع مجالاتها ، ولم يقتصر الأثر على مجال علم الحياة بالذات ، الذي كان دارون يحصر بحثه في نطاقه . ذلك أن النظرية (3) - وإن حصرت مجال بحثها في نطاق علم الحياة - قد تعدت هذا النطاق بإيحاءاتها الخطيرة التي شملت مجالًا واسعًا من الفكر والاعتقاد ، كما أن هناك من استغل هذه الإيحاءات استغلالًا مقصودًا لتدمير بعض المفاهيم السائدة ، وإحلال مفاهيم أخرى بدلًا منها ، تخدم أغراض فريق معين من الناس ، وبذلك امتدت إيحاءات النظرية وتأثيراتها إلى مجال العقيدة ، وكذلك مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والفن والفكر . . وكلها من مجالات التشريع .
كان مما قررته تلك النظرية - أو بالأحرى ذلك الفرض العلمي - أن"الخلق"يتم بطريقة ذاتية ، ولا دخل فيه للإرادة الإلهية (4)
(1) القرن العشرين الميلادي .
(2) هو العالم البريطاني تشارلس دارون الذي كان متخصصًا في علم الحياة ، ونادى بنظرية التطور Evolution التي قال فيها إن الكائنات الحية ظلت تتطور من الكائن الوحيد الخلية - أول الكائنات الحية على ظهر الأرض - إلى الإنسان مرورًا بحلقات متعددة منها اللافقاريات فالأسماك ، فالبرمائيات ، فالطيور ، فالثدييات الدنيا ، فالثدييات العليا ، فالقردة ، فالقردة العليا فالإنسان ( على افتراض وجود حلقة مفقودة هي الإنسان القرد ) .
(3) هي في الحقيقة فرض علمي لم يرتق إلى مرتبة النظرية كما سيجيء .
(4) يقول دارون:"إن تفسير النشوء والارتقاء ( التطور ) بتدخل الإرادة الإلهية يكون بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت:"