وجاء في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين - بعد ما عمرت الأرض بذرية نوح: (وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة، وحدث في ارتحالهم شرقًا أنهم وجدوا نعمة في أرض شنعار، وسكنوا هناك، وقال بعضهم لبعض: هلم نصنع لبنًا ونشويه شيا، فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحمر مكان الطين، وقالوا: هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا اسمًا لئلا نتبدد على وجه كل الأرض ... فنزل الرب المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما، وقال الرب: هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة، لذلك دعى اسمها(بابل) لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض)!
وجاء في سفر صموئيل الثاني / الإصحاح الرابع والعشرين: (فجعل الرب وباءً في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد، فمات من الشعب - من دان إلى بئر سبع - سبعون ألف رجل، وبسط الملاك يده على أورشليم، فندم الرب عن الشر، فقال للملاك المهلك الشعب: كفى الآن رويدك!) .
ولم تكن الحال مع النصرانية خيرًا مما كانت مع اليهودية، بل كان الأمر أدهى وأمر ... عبرت النصرانية إلى الدولة الرومانية الوثنية في أشد عصور الوثنية والانحلال في هذه الدولة، ثم أخذت تنتشر حتى استطاعت أن تولي قسطنطين امبراطورًا في سنة 305 ميلادية، ومن ثم دخلت الإمبراطورية الرومانية في النصرانية، لا لتخضع للنصرانية، ولكن لتخضع النصرانية لوثنيتها العريقة،
وفي هذا يقول الكاتب الأمريكي"درابر"في كتابه"الصراع بين الدين والعلم":(دخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين، الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية في الدولة الرومانية، بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يومًا من الأيام، وكذلك كان قسطنطين ... فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلًا في آخر عمره سنة 337 ميلادية.
إن الجماعة النصرانية، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية، وتقتلع جرثومتها، وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها ونشأ من ذلك دين جديد، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء ... هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية، إذ قضى على منافسه"الوثنية"قضاء باتًا، ونشر عقائده خالصة بغير غبش.
وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبدًا للدنيا، والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئًا، رأى لمصلحته الشخصية، ولمصلحة الحزبين المتنافسين - النصراني والوثني - أن يوحدهما ويؤلف بينهما، حتى أن النصارى الراسخين أيضًا لم ينكروا عليه هذه الخطة، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ونقحت بالعقائد الوثنية القديمة، وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها) [7] .
ولكن الديانة الجديدة لم تتخلص قط من أناس الوثنية وأرجاسها، وتصوراتها الأسطورية - كما أمّل النصارى الراسخون - فقد ظلت تتلبس بالخلافات السياسية والعنصرية والطائفية، تلبسها بالأساطير الوثنية والتصورات الفلسفية، ووقع انقسام في التصور بغير حد: