الصفحة 17 من 114

قالت فرقة: إن المسيح إنسان محض، وقالت فرقة: إن الأب والابن وروح القدس إن هي إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس، فالله - بزعمهم - مركب من أقانيم ثلاثة؛ الأب وروح القدس؟ - الابن هو المسيح - فانحدر الله، الذي هو الأب، في صورة روح القدس وتجسد في مريم إنسانًا، وولد منها في صورة يسوع.

وفرقة قالت: إن الابن ليس أزليًا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم، ولذلك هو دون الأب وخاضع له، وفرقة أنكرت كون روح القدس أقنومًا ... وقرر مجمع نيقية سنة 325 ميلادية، ومجمع القسطنطينية سنة 381 أن الابن وروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن روح القدس منبثق من الأب ... وقرر مجمع طليطلة سنة 589 بأن روح القدس منبثق من الابن أيضًا، فاختلفت الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفتين ... كذلك ألهت جماعة منهم مريم كما ألّهو المسيح عليه السلام ...

ويقول الدكتور ألفرد بتلر في كتابه"فتح العرب لمصر"، ترجمة الأستاذ محمد فريد أبو حديد: (عن ذينك القرنين - الخامس والسادس - كانا عهد نضال متصل بين المصريين والرومانيين، نضال يذكيه اختلاف في الجنس، واختلاف في الدين، وكان اختلاف الدين أشد من اختلاف الجنس، إذ كانت علة العلل في ذلك الوقت تلك العداوة بين الملكانية والمنوفيسية، وكانت الطائفة الأولى - كما يدل عليه اسمها - حزب مذهب الدولة الإمبراطورية وحزب الملك والبلاد وكانت تعتقد العقيدة السية الموروثة - وهي ازدواج طبيعة المسيح - على حين أن الطائفة الأخرى - وهي حزب القبط الموفيسيين - أهل مصر - كانت تستبشع تلك العقيدة وتستفظعها، وتحاربها حربًا عنيفة، في حماسة هوجاء، يصعب علينا أن نتصورها، أو نعرف كنهها في قوم يعقلون، بله يؤمنون بالإنجيل!) .

ويقول"سيرت، و، أرنولد"في كتابه"الدعوة إلى الإسلام"عن هذا الخلاف، ومحاولة هرقل لتسويته بمذهب وسط: (ولقد أفلح جستنيان - Justinian - قبل الفتح الإسلامي بمئة عام في أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهرًا من مظاهر الوحدة، ولكنها سرعان ما تصدعت بعد موتهن وأصبحت في حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك، يربط بين الولايات وحاضرة الدولة، أما هرقل فقد بذل جهودًا لم تصادف نجاحًا كاملًا في إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية، ولكن ما اتخذه من وسائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلًا من القضاء عليه، ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية، فحاول بتفسيره العقيدة تفسيرًا يستعين به على تهدئة النفوس، أن يقف كل ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات، وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية، وبينهم وبين الحكومة المركزية.

وكان مجمع خلقيدونه قد أعلن في سنة 451م أن المسيح ينبغي أن يعترف بأنه يتمثل في طبيعتين، لا اختلاط بينهما، ولا تغير ولا تجزؤ، ولا انفصال، ولا يمكن أن ينتفي اختلافهما بسبب اتحادهما، بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها، وتجتمع في أقنوم واحد، وجسد واحد، لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة في أقنومين، بل متجمعة في أقنوم واحد: هو ذلك الابن الواحد والله والكلمة.

وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع، وكانوا لا يعترفون في المسيح إلا بطبيعة واحدة، وقالوا: إنه مركب الأقاليم، له كل الصفات الإلهية والبشرية، ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية، بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت