الصفحة 18 من 114

وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص في مصر والشام، والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطيةن في الوقت الذي سعى فيه هرقل في إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة - Monotheletism - ففي الوقت الذي نجد هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين، إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم في حياة المسيح البشرية، وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة في أقنوم واحد، فالمسيح الواحد، الذي هو ابن الله، يحقق الجانب الإنساني، والجانب الإلهي، بقوة إلهية إنسانية واحدة، ومعنى ذلك أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة في الكلمة المتجسدة.

لكن هرقل قد لقي المصير الذي انتهى إليه كثيرون جدًان ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام، ذلك أن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون الاحتدام فحسب، بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد، وجر على نفسه سخط الطائفتين سواء) [8] !

وقد ورد في القرآن الكريم بعض الإشارات إلى هذه الانحرافات، ونهى لأهل الكتاب عنها، وتصحيح حاسم لها، وبيان لأصل العقيدة النصرانية كما جاءت من عند الله، قبل التحريف والتأويل: {لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار ... لقد كفر الذين قالوا: عن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم، أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه، والله غفور رحيم؟ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام، انظر كيف نبين لهم الآيات، ثم انظر أنى يؤفكون، قل: أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا؟ والله هو السميع العليم، قل: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 72 - 77] .

{وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواهم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون؟} [التوبة: 30] .

{وإذا قال الله: يا عيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال سبحانك! ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد، إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 116 - 118] .

وهكذا نرى مدى الانحراف الذي دخل على النصرانية، من جراء تلك الملابسات التاريخية، حتى انتهت إلى تلك التصورات الوثنية الأسطورية، التي دارت عليهم الخلافات والمذابح عدة قرون!

أما الجزيرة العربية التي نزل فيها القرآن، فقد كانت تعج بركام العقائد والتصورات، ومن بينها ما نقلته من الفرس وما تسرب إليها من اليودية والمسيحية في صورتهما المنحرفة ... مضافًا إلى وثنيتها الخاصة المتخلفة من الانحرافات في ملة إبراهيم التي ورثها العرب صحيحة ثم حرفوها ذلك التحريف، والقرآن يشير إلى ذلك الركام كله بوضوح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت