الصفحة 20 من 114

وعرفوا عبادة الكواكب - كما عرفها الفرس من بين عباداتهم - قال صاعد: (كانت حمير تعبد الشمس، وكنانة القمر، وتميم الدبران، ولخمٌ وحذامٌ المشترى، وطيئُ سهيلًا، وقيسُ الشعري العبّور، وأسدٌ عطارد) [12] .

وقد جاء عن هذا في سورة فصلت: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37] .

وجاء في سورة النجم: {وأنه هو رب الشعرى} [النجم: 49] .

وكثرت الإشارات إلى خلق النجوم والكواكب وربوبية الله سبحانه لها كبقية خلائقه، وذلك لنفي ألوهية الكواكب وعبادتها ...

وعلى العموم فقد تغلغلت عقائد الشرك في حياتهم، فقامت على أساسها الشعائر الفاسدة، التي أشار إليها القرآن الكريم في مواضع كثيرة ... من ذلك جعلهم بعض ثمار الزروع، وبعض نتاج الأنعام خاصًا بهذه الآلهة المدعاة، لا نصيب فيه لله سبحانه وأحيانًا يحرمونها على أنفسهم، أو يحرمون بعضها على إناثهم دون ذكورهم، أو يمنعون ظهور بعض الأنام على الركوب أو الذبح، وأحيانًا يقدمون أبناءهم ذبائح لهذه الآلهة في نذر، كالذي روى عن نذر عبد المطلب أن يذبح ابنه العاشر، إن وهُب عشرة أبناء يحمونه، فكان العاشر عبد الله ... ثم افتداه من الآلهة بمئة ناقة! وكان أمر الفتوى في هذه الشعائر كلها للكواهن والكهان!

وفي هذا يقول القرآن الكريم: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، فقالوا: هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم، ساء ما يحكمون! وكذلك زَيَّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم، ليردوهم، وليلبسوا عليهم دينهم، ولو شاء الله ما فعلوه، فذرهم وما يفترون، وقالوا: هذه أنعام وحرث حِجر، لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها - افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرمٌ على أزواجنا، وإن يكن ميتةً فهم فيه شركاء ... سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم، قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم، وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، قد ضلوا ما كانوا مهتدين} [الأنعام: 136 - 140] .

وكانت فكرة التوحيد الخالص هي أشد الأفكار غرابة عندهم، هي وفكرة البعث سواء، ذلك مع اعترافهم بوجود الله سبحانه وتعالى، وأنه الخالق للسماوات والأرض وما بينهما، ولكنهم ما كانوا يريدون أن يعترفوا بمقتضى الوحدانية هذه وهو أن يكون الحكم لله وحده في حياتهم وشؤونهم، وأن يتلقوا منه وحده الحلال والحرام، وأن يكون إليه وحده مرد أمرهم كله في الدنيا والآخرة، وأن يتحاكموا في كل شيء إلى شريعته ومنهجه وحده ... الأمر الذي لا يكون بغيره دين ولا إيمان، يدل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم من معارضتهم الشديدة لهاتين الحقيقتين: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، وقال الكافرون: هذا ساحر كذاب، اجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن هذا لشيء عجاب، وانطلق الملأ منهم: أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق} [ص: 4 - 7] ، {وقال الذين كفروا: هل ندلكم على رجل بنبئكم - إذا مزقتم كل ممزق - إنكم لفي خلق جديد؟ أفترى على الله كذبًا أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت