الصفحة 21 من 114

هذه هي الصورة الشائهة للتصورات في الجزيرة العربية نضيفها إلى ذلك الركام من بقايا العقائد السماوية المنحرفة، التي كانت سائدة في الشرق والغرب، يوم جاء الإسلام، فتتجمع منها صورة مكتملة لذلك الركام الثقيل، الذي كان يجثم على ضمير البشرية في كل مكان، والذين كانت تنبثق منه أنظمتهم وأوضاعهم وآدابهم وأخلاقهم كذلك [13] .

ومن ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة التي يستقر عليها الضمير البشري في حقيقة الأولوهية، وعلاقتها بالخلق، وعلاقة الخلق بها ... فتستقر عليها نظمهم وأوضاعهم، وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وآدابهم وأخلاقهم كذلك، فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها، إلا أن تستقر حقيقة الألوهية، وتتبين خصائصها واختصاصاتها، وعني الإسلام عناية خاصة بإيضاح طبيعة الخصائص والصفات الإلهية المتعلقة بالخلق والإرادة والهيمنة والتدبير ... ثم بحقيقة الصلة بين الله والإنسان ... فلقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه العقائد والفلسفات، مما يتعلق بهذا الأمر الخطير الأثر في الضمير البشري وفي الحياة الإنسانية كلها.

ولقد جاء الإسلام - وهذا ما يستحق الانتباه والتأمل - بما يعد تصحيحًا لجميع أنواع البلبلة، التي وقعت فيها الديانات المحرفة، والفلسفات الخابطة في الظلام، وما يعد ردًا على جميع الانحرافات والأخطاء التي وقعت فيها تلك الديانات والفلسفات ... سواء ما كان منها قبل الإسلام وما جدّ بعده كذلك ... فكانت هذه الظاهرة العجيبة إحدى الدلائل على مصدر هذا الدين ... المصدر الذي يحيط بكل ما هجس في خاطر البشرية وكل ما يهجس، ثم يتناوله بالتصحيح والتنقيح!

والذي يراجع ذلك الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله سبحانه وفي صفاته، وفي علاقته بالخلق وعلاقة الخلق به ... ذلك الجهد الذي تمثله النصوص الكثيرة - كثرة ملحوظة - في القرآن المكي بصفة خاصة، وفي القرآن كله على وجه العموم ...

الذي يراجع ذلك الجهد المتطاول، دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل، في ذلك التيه الشامل، الذي كانت البشرية كلها تخبط فيه، والذي ظلت تخبط فيه أيضًا كلما انحرفت عن منهج الله أو صدت عنه، واتبعت السبل، فتفرقت بها عن سبيله الواحد المستقيم ...

الذي يراجع ذلك الجهد، دون أن يراجع ذلك الركام، قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر في القرآن، وإلى هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير وكل مسالك الحياة.

ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد، كما تكشف عن عظمة الدور الذي جاءت هذه العقيدة لتؤديه في تحرير الضمير البشري وإعتاقه، وفي تحرير الفكر البشري وإطلاقه، وفي تحرير الحياة، والحياة تقوم على أساس التصور الاعتقادي كيفما كان.

عندئذ ندرك قيمة هذا التحرر في إقامة الحياة على منهج سليم قويم، يستقيم به أمر الحياة البشرية، وتنجو به الفساد والتخبط ومن الظلم أو الاستذلال ... وندرك قيمة قول عمر رضي الله عنه: (ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية) ... فالذي يعرف الجاهلية هو الذي يدرك قيمة الإسلام، ويعرف كيف يحرص على رحمة الله المتمثلة فيه، ونعمة الله المتحققة به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت