وذلك كله فضلًا على العنصر الأخلاقي الذي ينشئه هذا التصور ويثبته، في القلب البشري وفي الحياة البشرية، وهو يرد خيوط الكون والحياة كلها إلى يد الله، ورقابته، وهيمنته، وسلطانه - مما سنفصل الحديث عنه في خاصية الإيجابية -
وصورة أخرى من صور خاصية الشمول في التصور الإسلامي؛ فهو كما يتحدث عن حقيقة الألوهية وخصائصها وآثارها وصفاتها، باعتبارها الحقيقة الأولى، والحقيقة الكبرى، والحقيقة الأساسية في هذا التصور ... كذلك يتحدث عن حقيقة العبودية وخصائصها وصفاتها، يتحدث عن هذه الحقيقة ممثلة في الكون، والحياة، والإنسان، فيتحدث عن حقيقة الكون، وعن حقيقة الحياة، وعن حقيقة الإنسان، ويتناول - في هذا الحديث - طبيعتها ونشأتها وصفاتها وأحوالها، وعلاقاتها فيما بينها، ثم علاقتها بالحقيقة الإلهية الكبرى.
ويربط بين مجموع تلك الحقائق، من جميع جوانبها، في تصور واحد منطقي فطري، يتعامل مع بديهة الإنسان وفكره ووجدانه، ومع مجموع الكينونة البشرية في يسر وسهولة.
وهكذا تتكون من مجموعة الحقائق التي يتناولها هذا التصور في شمول وسعة ودقة وتفصيل، وصورة كاملة شاملة، وتفسير جامع مفصل، لا يحتاج إلى إضافة من مصدر آخر، بل لا يقبل إضافة من مصدر آخر، لأنه أوسع وأشمل، وأدق وأعمق، وأكثر تناسقًا وتكاملًا من كل مصدر آخر ...
ولقد وقع الفساد في التصور الإسلامي، ووقع التعقيد والتخليط، حينما شاء جماعة ممن عرفوا في التاريخ باسم"فلاسفة الإسلام"أن يستعيروا بعض التصورات الفلسفية الإغريقية، وبعض المصطلحات - وبخاصة من أرسطو وأفلوطين وبعض اللاهوتيين المسيحيين - ويدخلوها في جسم"التصور الإسلامي"!
إن هذا التصور من الشمول والسعة، ومن الدقة والعمق، ومن الأصالة والتناسق بحيث يرفض كل عنصر غريب عليه، ولو كان هذا العنصر"إصطلاحًا"تعبيريًا من الاصطلاحات التي تقتضيها أزياء التفكير الأجنبية، فكل اصطلاح له تاريخ معين، وله إيحاءات معينة مستمدة من ذلك التاريخ، ولا يمكن تجريده من هذه الملابسات، والزج به في مجال جديد، منقطع عن تاريخه ... وللتصور الإسلامي اصطلاحاته الخاصة المتفقة في طبيعة اشتقاقها اللغوي، وفي ملابساتها التاريخية والموضوعية، مع طبيعته وإيحاءاته ... وهذه ظاهرة دقيقة، تحتاج إلى حس لطيف، يدرك مقتضيات هذا التصور في الشعور، ومقتضياته كذلك في التعبير.
إن هذا التصور يقوم ابتداء على تعريف الناس بربهم تعريفًا دقيقًا كاملًا شاملًا يعرّفهم بذاته سبحانه، ويعرفهم بصفاته، ويعرفهم بخصائص الألوهية المتفردة، التي تَفْرِقها تمامًا من خصائص العبودية، كما يعرفهم بأثر هذه الألوهية في الكون، وفي الناس، وفي جميع العوالم والأمم الحية، ويتم هذا التعريف على نطاق واسع جدًا في القرآن الكريم، يصبح معه الوجود الإلهي في النفس البشرية، وجودًا أكيدًا واضحًا، موحيًا، مؤثرًا، يأخذ النفس من أقطارها جميعًا، وتعيش معه النفس مشدودة إليه، لا تملك التفلت منه، ولا نسيانه، ولا إغفاله، لأنه من القوة والوضوح والفاعلية، بحيث يواجه النفس دائمًا، ويتراءى لها دائمًا، ويؤثر فيها دائمًا.
{الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين} [الفاتحة: 2 - 4] .
{الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤوده حفظهما، وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] .