الصفحة 86 من 114

وفرق كذلك بين الذي يتعامل مع إله شهواني، متعجرف، ظالم، متهور، متقلب الأهواء كإله الإغريق - بزعمهم -"زيوس"أو"جوبيتير"الذي كانوا يصورونه"حقودًا، لدودًا، مشغولًا بشهوات الطعام والغرام، لا يبالي من شؤون الأرباب والمخلوقات ما يعينه على حفظ سلطانه، والتمادي في طغيانه، وكان يغضب على"اسقولاب"إله الطب - بزعمهم - لأنه يداوي المرضى، فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ظهر الأرض إلى باطن الهاوية! وكان يغضب على"برومثيوس"إله المعرفة والصناعة - بزعمهم - لأنه يعلّم"الإنسان"ان يستخدما لنار في الصناعة، وأن يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة الأرباب، وقد حكم عليه بالعقاب الدائم، فلم يقنع بموته، ولا بإقصائه عن حظيرة الآلهة، بل تفنن في اختراع ألوان العذاب له، فقيده إلى جبل سحيق، وأرسل عليه جوارح الطير تنهش كبده طوال النهار، حتى إذا جن الليل عادت سليمة في بدنه، لتعود الجوارح إلى نهشها بعد مطلع الشمس ولا يزال هكذا دواليك في العذاب الدائم مردود الشفاعة مرفوض الدعاء" [53] ... وأنه كان يخادع زوجته"هيرة"ويرسل إله الغمام - بزعمهم - لمدارة الشمس في مطلعها، حذرًا من هبوب زوجته الغيرى عليه مع مطلع النهار، ومفاجأته بين عشيقاته على عرش"الأوليمب" [54] ...

فرق بين الذي يتعامل مع إله كهذا ويستمد منه أخلاقهن والذي يتعامل مع"الله"العادل، الكريم، الرحيم الذي يكره الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وينهى عن السوء، ويحب التوابين ويحب المتطهرين ...

وأخيرًا ...

فهناك فارق هائل بين الإنسان الذي يظن أن إلهه هو"الطبيعة"الخرساء الصماء، التي لا تطالبه بعقيدة ولا شعيرة، ولا منهج ولا نظام حياة، ولا خلق ولا أدب، ولا ضمير ولا سلوك، ولا تحس بوجوده أصلًا، وليس لها هي إدراك ابتداء، ومن ثم فهي لا تحس ولا تعي، ولا تدري بخير أو شر، ولا تحاسب - من ثم - على خير أو شر ... والإنسان الذي يعرف أن إلهه"الله"الحي الذي لا يموت، الصمد المقصود في الحاجات، الرقيب الذي لا يغفل، الحسيب الذي لا ينسى، العادل الذي لا يظلم، الرحيم الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ... إلى آخر صفات الله وأسمائه الحسنى ...

إن الأمر مختلف جدًا ... ومن ثم هذه القيمة الكبرى لهذه الخاصية في التصور الإسلامي ... ولقد عنى الإسلام عناية بالغة بتقرير هذه الحقيقة في تصور المسلمين وتوكيدها، وتقرير"وجود"الله سبحانه في حياتهم وتوسيعه وتعميقه ... وكانت حياة الجماعة المسلمة الأولى في ظلال الوحي المتلاحق، المتعلق بواقع حياتهم، وبما يهجس كذلك في ضمائرهم، مثلًا حيًا، وترجمة عملية، لهذه الحقيقة ... فقد رأينا يد الله سبحانه تتدخل جهرة، وعينه تلحظ، وسمعه يرعى، أحوالهم اليومية، وأعمالهم الشخصية، وحياتهم الفردية والجماعية.

لقد شهدنا العناية الإلهية تتدخل علانية في شأن أسرة صغيرة فقيرة مغمورة لتقرر حكم الله في قضية بين امرأة وزوجها، حين لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم فيها رأيًا؛ {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما، إن الله سميع بصير ... الخ} [المجادلة: 1] .

كما شهدناها في شأن الرجل الأعمى الفقير ابن أم مكتوم، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصورة الرائعة؛ {عبس وتولى، أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فأنت له تصدّى! وما عليك ألا يزّكى، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى، فأنت عنه تلهّى؟ كلا! إنها تذكرة، فمن شاء ذكره} [عبس: 1 - 12] .

وشهدنا هذا التدخل في الأحداث الكبرى سواء بسواء ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت