كان منه في شأن موسى عليه السلام، مع فرعون وملئه، ما يصور هذا التدخل السافر المباشر: {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض، ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون، وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمن ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا، إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، وقالت امرأة فرعون: قرة عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا - وهم لا يشعرون - واصبح فؤاد أم موسى فارغًا، إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين، وقالت لأخته قصيه، فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون، وحرمنا عليه المراضع من قبل، فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم، وهم له ناصحون؟ فرددناه إلى أمه، كي تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق، ولا أكثرهم لا يعلمون} [القصص: 2 - 13] .
وكان منه في شأن نوح عليه السلام: {كذبت قبلهم قوم نوح، فكذبوا عبدنا وقالوا: مجنون، وازدجر، فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونًا، فالتقى الماء على أمر قد قدر، وحملناه على ذات ألواح ودسر، تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} [القمر: 9 - 14] .
وكان منه في شأن إبراهيم عليه السلام: {قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا: يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين، ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلاًّ جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} [الأنبياء: 68 - 73] .
كذلك شهدناه في أمر الكون كله، وفي شأن سائر الخلائق والأحياء فيه؛ {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، إنه كان حليمًا غفورًا} [فاطر: 41] ، {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله؟ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} [النحل: 79] ، {وكأيٍّ من دابة، لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم، وهو السميع العليم} [العنكبوت: 60] ، {أفرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لجعلناه حطامًا فظلتم تفكهون، إنا لمغرمون، بل نحن محرومون ... إلى آخر الآيات} [الواقعة: 63 - 73] ، {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها؟ والله يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب} [الرعد: 41] .
والقرآن كله معرض هذه"الإيجابية"وهي أساس التصور الإسلامي - بعد التوحيد - وهي التي تتجلى فيها حقيقة التوحيد، فالتوحيد الإسلامي يمتاز بأنه توحيد الفاعلية والتأثير وليس مجرد التوحيد السلبي الذي يصفه أرسطو، أو يصفه أفلوطين!