الصفحة 89 من 114

واستقرار هذه الحقيقة في ضمير الجماعة المسلمة الأولى هو الذي أنشأ هذه المجموعة الفريدة الممتازة في تاريخ البشرية كله على الإطلاق، وبدون استثناء، فقد عاشوا هذه الحقيقة، عاشوها حية في نفوسهم، عاشوها ليل نهار، وصباح مساء، عاشوها كما يعيشون حياتهم اليومية الواقعة، عاشوا مع الله، يحسون وجوده في نفوسهم وفي حياتهم أعمق من حس اللمس والرؤية، عاشوا في كنفه وفي رعايته، وعاشوا تحت عينه وفي رقابته، والتمسوا يده سبحانه تتدخل تدخلًا مباشرًا في الصغير والكبير من أمورهم، وتنقّل خطاهم، وترقبها، وترشدهم، وتعقّب عليهم في الصغيرة وفي الكبيرة ... ومن ثم كانوا هذا الذي كانوا؛ من الحساسية والطمأنينة معًا، ومن اليقظة والراحة معًا، ومن التوكل والفاعلية معًا، ومن الخوف والطمع معًا، ومن التواضع والعزة معًا - التواضع لله والعزة بالله - ومن الخضوع والاستعلاء معًا - الخضوع لله والاستعلاء على أعداء الله - ومن ثم صنع الله بهم في هذه الأرض ما صنع من الصلاح والعمار، ومن الرفعة والطهارة، مما لم يسبق ولم يلحق في تاريخ بني الإنسان ...

والصفحة الأخرى للإيجابية في التصور الإسلامي ... هي إيجابية الإنسان في الكون، وإيجابية المؤمن بهذه العقيدة في واقع الحياة على وجه خاص.

إن هذا التصور ما يكاد يستقر في الضمير، حتى يتحرك ليحقق مدلوله في صورة عملية، وليترجم ذاته، في حالة واقعية، والمؤمن بهذا الدين ما يكاد الإيمان يستقر في ضميره حتى يحس أنه قوة فاعلة مؤثرة، فاعلة في ذات نفسه، وفي الكون من حوله.

إن التصور الإسلامي ليس تصورًا سلبيًا يعيش في عالم الضمير، قانعًا بوجوده هناك في صورة مثالية نظرية! أو تصوفية روحانية! إنما هو"تصميم"لواقع مطلوب إنشاؤه، وفق هذا التصميم، وطالما هذا الواقع لم يوجد فلا قيمة لذلك التصميم في ذاته، إلا باعتباره حافزًا لا يهدأ لتحقق ذاته.

هذا ما يثيره التصور الإسلامي في شعور المسلم ... ومن ثم يجد دائمًا هاتفًا ملحًا في أعماقه، يهب به إلى تحقيق هذا التصور في دنيا الواقع، ويؤرقه، حتى يهب للعمل، ويفرغ طاقته الإيمانية كلها في هذا العمل الإيجابي البناء، وفي إنشاء واقع تتمثل فيه هذه العقيدة في حياة الناس.

وحيثما ذكر الإيمان في القرآن أو ذكر المؤمنون، ذكر العمل، الذي هو الترجمة الواقعية للإيمان، فليس الأمر مجرد مشاعر، إنما هو مشاعر تُفرَّغ في حركة، لإنشاء واقع، وفق"التصميم"الإسلامي للحياة، أو وفق التصور الإسلامي للحياة ...

{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله - ثم لم يرتابوا - وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اله، أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15] .

{وعد اله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا، يعبدونني لا يشركون بي شيئًا، ومن كفر بعد ذلك، فأولئك هم الفاسقون} [النور: 55] .

{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110] .

{فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، بعضكم من بعض، فالذين هاجروا، وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ثوابًا من عند الله، والله عنده حسن الثواب} [آل عمران: 195] .

{والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [سورة العصر] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت