الصفحة 90 من 114

فليس هنالك إيمان هو مجرد مشاعر في الوجدان، أو تصورات في الذهن، لا ترجمة لها في واقع الحياة، وليس هنالك إيمان هو مجرد شعائر تعبديةن ليس معها عمل يكيف منهجا لحياة كله ويخضعه لشريعة الله [55] .

ثم يحس المسلم - من وحي تصوره الإسلامي أنه - شخصيًا - مطالب بأداء شهادة لهذا الدين، لا يستريح ضميره، ولا يطمئن باله، ولا يستشعر أنه أدّى حق نعمة الله عليه بالإسلام، وأنه يطمع - من ثم - في النجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة ... إلا أن يؤدي هذه الشهادة كاملة، بكل تكاليفها في النفس والجهد والمال [56] ، {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدًا} [البقرة: 143] ، {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله؟} [البقرة: 140] .

وهو يؤدي هذه الشهادة ... أولًا ... في ذات نفسه؛ بأن يطابق بين واقع حياته الشخصية، في كل جزئية من جزئيات نشاطه، وبين مقتضيات التصور الذي يقوم عليه اعتقاده، فليست هنالك حركة واحدة من حركات حياته، إلا وهو مطالب بأن يشهد فيها لهذا الدين، شهادة عملية، لا شهادة اللسان وحده، ولا شهادة القلب معه كذلك، ولكن شهادة العمل المصدق للإيمان، المجسّم للعيان، المنشئ لآثاره في عالم الواقع وفي دنيا الناس.

وهو يؤديها - ثانية - في دعوة الآخرين إلى هذا المنهج، وبيانه لهم، مسوقًا في هذه الدعوة وهذا البيان بدوافع كثيرة، أولها؛ دافع أداء الشهادة لينجو من الله، وليؤدي حق نعمته عليه بهدايته إلى الإسلام ... وثانيها؛ حب الخير للناس، وهدايتهم إلى هذا الخير الذي هُدِيَ هو إليه، والذي لا يحتجنه لنفسه، ولا لأسرته، ولا لعشيرته، ولا لقومه، ولا لجنسه، لأنه يتعلم من هذا التصور ذاته أن البشر كلهم إخوة ... وثالثها: شعوره بأن تبعة ضلال الناس - إذا ضلوا - إنما تقع على عاتقه هو، ما لم يبين لهم - بعد ما عرف وتبين - وهي تبعة ثقيلة تنوء بضميره، وتنوء بكاهله، وقد علم أنها تبعة الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وأنه هو مستخلف فيها عن الرسل، ومسؤول عنها بعدهم، {رسلًا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل"... [النساء: 165] ، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} [الإسراء: 15] ."

وهو يؤديها - أخيرًا - بالعمل على تحقيق منهج الله في حياة الناس، وإقامة النظام الذي ينبثق من ذلك التصور، وإقامة حياة الجماعة الإنسانية على أساس هذا النظام، باعتبار أن هذا التصور هو"تصميم"لعالم واقعي، يراد إخراجه وتحقيقه، ليتحقق وجود الإسلام في الأرض، ولتخلص الألوهية لله، إذ لا وجود للإسلام بدون قيام مجتمع يعيش بهذا النظام، ويعترف لله وحده بالألوهية، فلا يتلقى في منهج حياته الأساسي إلا من الله، ثم ليستحق المسلمون نصر الله وتأييده الذي وعدهم إياه، وشرط له شرطًا واضحًا لا عوج فيه؛ {ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} [الحج: 40، 41] .

وفي طبيعة التصور الإسلامي ذاته ما يحفز الإنسان لمحاولة الحركة الإيجابية، لتحقيق هذا المنهج في صورة واقعية، فالمسلم يعرف - من تصوره الإسلامي - أن"الإنسان"قوة إيجابية فاعلة في هذه الأرض، وأنه ليس عاملًا سلبيًا في نظامها فهو مخلوق ابتداء ليستخلف فيها، وهو مستخلف فيها ليحقق منهج الله في صورته الواقعية: لينشئ ويعمر، وليغيّر ويطوّر، وليصلح، وينمّي، وهو معانٌ على هذه الخلافة: معانٌ من الله سبحانه بجعل النواميس الكونية وطبيعة الكون الذي يعيش فيه معاونة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت