الصفحة 91 من 114

{وهو الذي أنزل من السماء ماء، لكم منه شراب، ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون، وسخر لكم الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، وما ذرأ لكم في الأرض مختلفًا ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذّكّرون، وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وأنهارًا وسبلًا لعلكم تهتدون، وعلامات وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 10 - 16] .

وهو مُعان من الله كذلك بما وهبه من القوى والاستعدادات الذاتية، وهو يكلفه أمر الخلافة؛ {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل: 78] .

وشرط هذه الخلافة عند المسلم معروف: {قلنا اهبطوا منها جميعًا، فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 38، 39] .

وشعوره بأنه مكلف بالعمل، ومعانٌ عليه، ينفي عنه الشعور بالسلبية في نظام هذا الكون - سواء بالقياس إلى القوى الكونية، أو بالقياس إلى قدر الله تعالى - فهنالك الاستعدادات الذاتية الموهوبة له، وهناك تسخير القوى الكونية لمساعدته، وهناك التوازن بين مشيئة الله المطلقة وحركة الإنسان الإيجابية، كما أسلفنا.

وانتفاء الشعور بالسلبية يهيئه للحركة والتأثير والفاعلية، غير أن الإسلام لا يكتفي بأن يدفع عن المسلم الشعور بالسلبية، بل هو يمده بدوافع الحركة الإيجابية كذلك، إذ يعلّمه أن قدر الله ينفذ فيه والأرض من حوله، عن طريق حركته هو ذاته؛ {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] ، {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء، والله عليم حكيم} [التوبة: 14، 15] ، {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا} [الأحزاب: 60] ، {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} [البقرة: 251] ، {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ليذيقهم بعض الذي عملوا، لعلهم يرجعون} [الروم: 41] .

كما يعلّمه ان الله لا يرضى منه الشعور في الضمير، والكلمة على اللسان، ولا يدعه حتى يترجم ذلك في حياته واقعًا، يحاسبه عليه، ويجازيه بحسبه ... حتى الهدى من الله إنما يناله جزاء على الجهد فيه؛ {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69] ، {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142] ، {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} [التوبة: 105] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت