أولًا؛ الأدلة على كفر من أعرض عن الحكم بما أنزل الله
1)قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحَكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما} (1) .
قال الجصاص: (وفي هذه الآية دلالة على أن من ردَّ شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة، وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يُسلِّم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان) (2) ، ولا يجوز تأويل الإيمان في الآية بالإيمان الكامل لا من جهة اللغة ولا من جهة الأصول (3) .
2)قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} (4) .
قال ابن كثير: (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتابٍ مجموعٍ من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية(5) وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدّمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحَكِّم سواه في قليل ولا كثير) (6) .
وقال الشيخ محمد حامد الفقى رحمه الله معلقًا على كلام ابن كثير السابق: (ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به، ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها) (7) .
وقال الشيخ أحمد شاكر: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواحٌ لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنًا من كان في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها؛ فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه، ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين) (8) .
3)وقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون} (9) .
وقد ورد أثر عن ابن عباس يقول فيه عن هذه الآية: (كفر دون كفر) وهذا الأثر مع ما في سنده من المقال بسبب (هشام ابن حجير) أحد رواته، إلا أنه لا ينطبق إلا على من لم يحكم بما أنزل الله في واقعة من الوقائع، مع كون الأصل عنده هو تحكيم الشريعة، فأين هذا من استبدال حكم الله وإلزام الناس بغيره إلزامًا؟ ويؤيد ذلك ما روى علقمة والأسْوَد عن ابن مسعود حين سألاه عن الرشوة فقال: هي السحت فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر وقرأ: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (10) ، والقاضي المرتشي لا يكفر بالإجماع (11) .
وقد سأل الخوارجُ التابعىَّ أبا مجلز عن الأمراء الذين يظلمون في بعض القضايا أو يكونون في معسكر السلطان الظالم، وأراد الخوارج أن يُدخِلوهم في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فأنكر عليهم أبو مجلز ذلك.