وكما أننا لا نتطلب من أي جسم أن يكون مثاليًا خالصًا، ولكنا نتطلب منه أن يحاول ذلك دائمًا بقدر ما يستطيع، فكذلك لا نتطلب من أي نفس أن تكون منطبقة على النموذج الأعلى الذي رسمه الله للناس، ولكنا نتطلب منها أن تحاول ذلك دائمًا بقدر ما تستطيع.
وكما أننا نعتبر بعض الانحرافات البسيطة عن الحالة المثالية للجسم انحرافات طبيعية لا تحتاج إلى علاج، فكذلك نعتبر بعض الانحرافات النفسية البسيطة أمرًا سويًا لا يحتاج إلى علاج.
ولكنا نحتاج إلى العلاج حتما حين يصل المرض إلى تعطيل دورة الحياة، سواء في عالم الأجسام أو في عالم النفوس.
مهمة الصورة المثالية إذن أنها تساعدنا في العلاج .. وهي عملية لا غنى للإنسان عنها على مدار النفوس ومدار الأجيال.
ولكنها تؤدي مهمة أخرى في الحياة السوية، قبل المرض والعلاج!
مهمة في التربية ..
مهمتنا الأولى في تربيةالجسم ليست علاجه، وإنما وقايته من الأمراض! وقد تكون الوقاية الكاملة مستحيلة. ولكنا مع ذلك نحاولها دائمًا، ويجب أن نحاولها، لنقلل فرصة المرض إلى أقصى حد ممكن، ونصل إلى أقرب نقطة نستطيعها من الكيان السليم.
ومهمتنا الأولى في تربية النفس هي وقايتها من الانحراف. وستكون الوقاية الكاملة مستحيلة. ومع ذلك ينبغي أن نحاولها، لنقلل فرصة المرض إلى أقصى حد ممكن، ونصل إلى أٌقرب نقطة مستطاعة من الكيان السليم.
ولكي نصل إلى الوقاية الجسمية -على استحالة كمالها- نرسم دستورًا للنشاط الجسمي الكامل، مستمدًا من الصورة المثالية وقائمًا على أساسها، ونحاول تنفيذ هذا الدستور في عالم الواقع بقدر ما نستطيع.
ولكي نصل إلى الوقاية النفسية -على استحالة كمالها- نرسم دستورًا للنشاط النفسي الكامل، مستمدًا من الصورة المثالية وقائما على أساسها، ونحاول تنفيذ هذا الدستور في عالم الواقع بقدر ما نستطيع.
وحين لا نرسم هذا الدستور للنشاط الجسمي أو النفسي، يضل نشاطنا عن أصوله الواجبة، ولا نعرف المقياس الصحيح للأشياء ..
وإلى هنا كنا نتحدث عن"الضرورة".. ضرورة الصورة المثالية للحياة البشرية ..
ولكن الحياة لا تقف عند نقطة الضرورة .. وتحاول بفطرتها أن تصل إلى الجمال والكمال .. إلى مجالات زائدة على الضرورة .. مترفعة على الضرورة ..
ومن أجل هذه الفطرة النزاعة إلى الجمال والكمال -وإن كانت نزاعة كذلك للارتكاس والهبوط! - من أجلها نرسم الصورة المثالية الكاملة، ليحاول من يحاول أن يصل إلى الكمال ..
وفي ذلك كسب مؤكد للبشرية ..
فهي حين ترفع وجهها إلى أعلى، وتحاول الصعود، ستصعد -بمجموعها- عن الدرك الهابط المرتكس. وتصبح الحالات الشاذة المرتكسة أقل في العدد وأقل في درجة الهبوط ..
ثم .. تتوزع البشرية على القمة الصاعدة .. بعضها ينتهي جهده عند أول الطريق. وبعضها يصعد درجات ثم يتعب. وبعضها يمضي قدما إلى أقصى حد مستطاع ..
ولن يثبت الناس -حتى الصاعدون منهم- عند أقصى نقطة يصلون إليها. ففي طبيعة البشرية أن تهبط في لحظة الضعف عن المستوى الذي تقدر على الصعود إليه. ولكن في طبيعتها كذلك أن تعود إلى الصعود.
والصورة المثالية هي المشجع لهم على الصعود أولا، ثم على العودة إلى الصعود بعد كل انتكاس ..
ومن هنا يلتقي الواقع بالمثال في حقيقة الحياة كما يلتقيان في حقيقة الفطرة .. ويكمل كل منهما الآخر في حلقة محكمة الاتصال.
والإسلام دين الفطرة .. لا يفصل من ثم بين الواقع والمثال .. بل يمزجهما مزجا محكما في دستوره الرفيع.
ومن أجل ذلك رسمنا في هذا الكتاب الذي يتبع دستور الفطرة في كل تفصيلاته، صورة الواقع وصورة المثال، ممتزجتين متداخلتين، كما ينبغي أن يكون الأمر في التفسير الإنساني للإنسان.