"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا"
صدق الله العظيم
الدين من صميم الفطرة ..
ففي صميم الفطرة أن تحس بالله على نحو من الأنحاء.
وقد لا نهتدي دائمًا إلى الصورة الصحيحة للعقيدة .. وقد تمزج بها كثيرا من الخرافات والأساطير .. وقد تتصور الحقيقة الإلهية تصورا منحرفا .. بل قد تلحد بالله إلحادا .. ومع ذلك يظل في صميمها هذا الإدراك لوجود خالق لهذا الكون .. خالق قوي جبار ..
والكون كله مفطور على عبادة الله.
والتفسير"العلمي"لأحد مظاهر هذه العبادة أن الكون يطيع القوانين التي سنها الله لوجوده وحركته ومبدئه ومنتهاه. ولا يخرج على قانون واحد منها، ولا يتجه إلى الخروج عليها.
الذرة في تكوّنها من مادة وطاقة، بترتيب معين وصورة معينة، وما تحمله في طياتها من حركة وتجاذب ونظام .. هي الذرة .. لا تملك أن تكون غير ذلك. لا تملك أن تتكون من شيء آخر غير مكوّناتها الحالية .. ولا تملك أن تغير نظامها الذي خلقت به وفطرت عليه .. وهي بذلك"تعبد"الله.
والكون في تكوّنه من هذه الذرات، أو من المادة والطاقة على نحو معين وصورة معينة، وما في كيانه من حركة وتجاذب ونظام .. وما يقوم بين أجرامه من أبعاد ونسب ومسافات .. هو الكون .. لا يملك أن يكون غير ذلك .. لا يملك أن يغيّر نظامه، فيقترب بعضه من بعض أو يبتعد بعضه عن بعض، أو يتناثر أو يتجمع .. إلا على النحو الذي خلقه به الله وفطره عليه .. وهو بذلك يعبد الله.
والأرض في تكوّنها من مجموعة العناصر التي تحتويها، على نظام معين وصورة معينة، وما تحمله في كيانها من طاقة كهربائية مغنطيسية تحدد مكانها في المجموعة الشمسية وتحدد مسارها وطريقة دورانها .. وما تشتمل عليه من إمكانيات الحياة سواء في باطنها أو على سطحها أو فيما يحيط بها من غلاف جوي، وما تتلقاه من إشعاعات من الكون كله، ومن الشمس خاصة .. هي الأرض .. لا تملك أن تكون غير الأرض، ولا أن تغيّر شيئًا من صفاتها ولا إمكانياتها .. وهي بذلك تعبد الله ..
والحياة على ظهر الأرض، من الكائن الوحيد الخلية إلى النبات إلى الحيوان .. في مختلف صورها وحالاتها وأنماطها وعاداتها وسلوكها .. لا تملك أن تكون غير ما هي عليه، ولا أن تؤدي دورا غير دورها المقدور، ولا أن تخرج على القوانين التي تحكمها في كل نمط من أنماطها .. وهي بذلك تعبد الله ..
ولقد يقول العلم إن الحياة على ظهر الأرض قد"تطورت"، فارتقت وتعقدت، وجدّت فيها وظائف وأعضاء، وجدّت لها وسائل وأهداف .. فإذا كان ذلك حقا، فهو يجري كذلك على الناموس الذي وضعه الله لتلك الكائنات، وجعلها تسير بحسبه في ارتقائها وتعقدها، وما يجد عليها من أمور .. ويكون تطورها ذلك جزءًا من العبادة التي تتوجه بها إلى خالقها، ملبية مطيعة لما فطرها عليه من اتجاهات واستعدادات.
وذلك هو التفسير"العلمي"لمعنى من معاني قوله تعالى:"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" [1] .
ثم يجيء دور الإنسان ..
والإنسان كائن متفرد في كل الخلق .. لا يشبهه في تفرده شيء، ولا يشاركه في التفرد كائن من الكائنات.
إنه -كما رأينا من قبل- قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله.
وهو -بتفرده ذلك- يعبد الله على نحو يختلف عن عبادة الآخرين، وإن كان -في النهاية- يلتقي بها في الاتجاه.
العبادة -بمعنى الطاعة- مظهر من مظاهر اكلون كله، لا يفترق فيه جماد عن نبات عن حيوان.
(1) سورة فصلت [11] .