الصفحة 109 من 169

القيم العليا .. كيف تنشأ؟

ما صلتها بالفطرة البشرية؟ ما مكانتها في كيان الإنسان؟

هل هي أصيلة في الكيان البشري أم مفروضة عليه من خارج نفسه؟

وإن كانت أصيلة فكيف تنمو؟ ولماذا تنمو في بعض النفوس ولا تنمو في بعضها الآخر؟ أو تنمو في بعضها أكثر مما تنمو في بعضها الآخر؟

وما دورها في حياة الإنسان؟

هل هي ذات دور أصيل في حياته، أم إنها شيء على هامش الحياة .."للزينة"لا للاستعمال؟!

حين واجه النقاد فرويد بأنه يحقر الإنسان، ويرسمه في مستواه الأدنى، وينفي القيم العليا من حياته .. قال إنه لم يصنع ذلك! وإنه لم ينف قط وجود القيم العليا في حياة الإنسان!

وحقا إنه لم ينف وجودها ..

ولكنه اعترف بها اعترافا أسوأ من النفي!

فقد اعترف بها -من ناحية- على أنها شذوذ [وقد مر بنا نص كلامه في هذا الشأن] وعلى أنها قسوة! وعلى أنها تتعارض مع النمو"الحر"للطاقة الجنسية! [التي هي -في نظره- محو الطاقة الحيوية!] .

واعترف بها -من ناحية أخرى- على أن الوسيلة الوحيدة لتكوينها هي الكبت. ثم أنفق حياته العلمية كلها يقول إن الكبت عملية ضارة مدمرة لكيان الإنسان!

وفي كلا الحالين يراها أمورا مفروضة على كيان الإنسان من الخارج، وليست أصيلة في ذلك الكيان!

ثم أطلق -وهو يشرح كيفية نمو القيم العليا [الدين والضمير والأخلاق والتقاليد .. الخ] - أطلق أسطورته الكريهة المبنية على العشق الجنسي الذي يحسه الأولاد نحو الأم:

ذات يوم في الماضي السحيق الموغل في الظلمات ارتكبت البشرية جريمة مروعة:

أحس الأولاد برغبة جنسية نحو أمهم. ولكنهم وجدوا أباهم حائلا دون الوصول إلى هذه الشهوة، فقرروا أن يقتلوا أباهم ليخلو لهم الطريق .. وبالفعل قتلوه ..

وما إن أتموا فعلتهم الشنيعة حتى أحسوا بالندم على ما قدمت أيديهم .. فأقسموا ليقدسُنّ ذكراه .. فعبدوه. ونشأت بذلك أول عبادة في الأرض .. عبادة الأب .. [التي تحولت فيما بعد إلى عبادة الطوطم، وهو حيوان تعبده القبيلة كلها وتعتقد أن دماءه تجري في دمائها، ويحرمون ذبحه إلا في مناسبات دينية خاصة حيث يحتفل بذبحه ويأكل منه الجميع لتجري دماءه في دمائهم من جديد] !

ثم وجدوا أنهم سيتقاتلون فيما بينهم على أمهم فلا ينالها أحد منهم .. فحرموها عليهم جميعا .. ونشأ بذلك أول تحريم [جنسي] وصارت الأم منذئذ محرمة على الأبناء!

هذا في البشرية الأولى ..

ولكن هذا الحدث -منذ حدوثه- لم يترك البشرية في راحة!

"وكل الديانات التي جاءت بعد ذلك هي محاولات لحل المشكلة ذاتها [إحساس الأبناء بالجريمة] وهي تختلف بحسب مستوى الحضارة التي ظهرت فيها والوسائل التي تطبقها، ولكنها جميعًا تهدف إلى شيء واحد، وهي رد فعل لنفس الحدث العظيم [قتل الأب] الذي نشأت عنه الحضارة، والذي لم يدع للإنسانية منذ حدوثه لحظة واحدة للراحة"! [1]

فالطفل -الذكر- يكرر هذه الجولة على مدار التاريخ!

كل طفل ذكر يولد، يحس نحو أمه بعشق جنسي. ثم يجد أباه حائلا .. [ولكنه في هذه المرة لا يقتله لأنه صغير! فيكتفي بكراهيته!] فيكبت شهوته الجنسية نحو أمه. وتنشأ بذلك عقدة أوديب!

ومن هذا الكبت ينشأ الضمير!

فإن الطفل يتلبس بشخصية والده في لا شعوره، ليحل محله -لا شعوريا [ولا واقعيا!] - مع الأم! فيصنع بنفسه ما يصنعه أبوه به [وبغيره] من المنع والزجر. فيزجر نفسه ويمنعها عن الأشياء التي يقوم أبوه بمنعه عنها. فينشأ هذا الضمير الداخلي الذي يزجر الإنسان ويمنعه. وبهذه الطريقة تنشأ القيم العليا كلها في حياة الإنسان .. بما فيها الدين!

تلك الأسطورة الملوثة بلوثة الجنس .. ما دليل فرويد عليها؟

(1) كتاب Totem & Taboo ص145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت