الصفحة 110 من 169

وكيف يسمح عالم لنفسه أن يقيم كل تفسيره للحياة الإنسانية .. على أسطورة؟

ومع ذلك فقد أفلتت منه -دون أن يدري- وهو يروي هذه الأسطورة البشعة- اعترافات ضمنية خطيرة!

أفلت منه اعتراف بأن الأولاد أحسوا بالندم على قتل أبيهم!

وتلك"قيمة"من القيم الإنسانية .. وجدت في نفوس الأبناء من تلقاء أنفسهم، لم يوح بها أحد من الخارج ولم يضغط عليهم أحد للإحساس بها!

فالندم على فعل من الأفعال معناه الإحساس بأنه لم يكن يجوز أن يعمل. معناه إدراك أن هناك ما ينبغي وما لا ينبغي. معناه التمييز بين الأعمال، وتقدير أن هذا حسن وهذا رديء.

إنه إذن قيمة خلقية .. !

وأفلت منه ثانيا أن الأبناء قرروا التعاون فيما بينهم -بدل الاقتتال على الأم كما تصنع ثيران البقر مع أمها، حيث تقتتل حتى يبقى أحدها، وهو أقواها، فيفوز وحده بالأم- وحرّموا أمهم عليهم.

وتلك"قيمة"أخرى من القيم الإنسانية .. وجدت تلقائيا في نفوس الأبناء!

وإذن، فعلى زعم أن هذه السطورة قائمة على أي أساس -وهو زعم لا سند له على الإطلاق- فإن البشرية الأولى قد اهتدت اهتداء تلقائيا إلى"القيم الإنسانية".. ومعنى ذلك أن القيم جزء أصيل من كيان الإنسان!

ثم .. إذا كانت هذه هي طريقة ميلاد الضمير في الأولاد الذكور .. فكيف ينمو الضمير في نفوس الإناث؟!

إن الطفلة الأنثى -في زعم فرويد- تصاب بعقدة إليكترا .. عشق الأب!

إنها تريد أن تأخذ مكان أمها من أبيها، ولكنها تجد الأم حائلا .. فتكبت هذا العشق [وتكره الأم!] .

نعم! .. وتتلبس بشخصية الأم لتحل محلها -لا شعوريا ولا واقعيا! - مع الأب!

ولكن .. الضمير ينبت من التلبس بشخصية الأب الآمر الناهي في البيت والمجتمع! والبنت تأخذ شخصية الأم .. فكيف ينشأ الضمير في نفس الأنثى؟ .. أم إنها تنشأ بلا ضمير؟!

على هذا النحو من التفكير الأسطوري تُنْشأ نظريات كاملة في علم النفس، ويقال عنها إنها نظريات"علمية"مبنية على البحث والدراسة، وتأخذ دورتها فتدخل في عقول جيل كامل من البشرية أو جيلين متتابعين، وتدخل في كثير من فروع المعرفة وأنواع الفنون!

وما من شك في أن حقائق جزئية تَرِدُ في أثناء هذا اللون من التفكير .. ولكنها تضيع في غمار اللوثة الجنسية العاتية، وفي موجة الاعتساف الشديد في التفسير والتصوير.

"فحجز"الدوافع الفطرية هو الذي يساعد على تنمية القيم العليا .. هذه حقيقة.

ولكنها حقيقة على غير النهج الذي انتهجه فرويد، واختلق فيه ما اختلق من أساطير ..

فالدوافع الفطرية ليست جنسا بحتا كما يزعم فرويد ..

و"الحجز"أو"الضبط"عملية مختلفة عن"الكبت"..

وأسطورة العشق الجنسي للأم هي مجرد أسطورة لا يقوم عليها دليل.

والتصاق الطفل والطفلة بالأم في فترة الرضاعة وما بعدها التصاق متماثل، فلا بد له من تفسير واحد، يسقط من حسابه أسطورة العشق الجنسي الذي يتجه نحو الأم تارة ونحو الأب تارة .. ووضعهما مختلف في الحياة ..

القيم العليا وثيقة الصلة بالجانب الروحي في الإنسان .. هي الانبثاق الطبيعي لهذا الجانب .. وهي التحقيق الواقعي له في كيان الإنسان .. ومن ثم فهي أصيلة أصيلة في أعماق هذا الكيان.

من أين تأتي أحلام البطولة؟

وأحلام الكمال؟

وإحساس الإنسان بالجمال؟

إن أحلام البطولة تستهوي الطفل الصغير كما تستهوي الإنسان الراشد. وقد كانت تستهوي البشرية في طفولتها وما تزال تستهوي البشرية اليوم، وإن اتخلفت مقاييس البطولة من عمر لعمر، ومن عصر لعصر ..

وهي مسألة ذات دلالة لا تخفى ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت