"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا".
صدق الله العظيم
ما الخير وما الشر في حقيقة الواقع؟
وما المقياس الذي تقاس به هذه القيم في حياة الإنسان؟
إن هذا الموضوع بالذات طالما تخبطت فيه الفلسفات المختلفة منذ بدء التفكير البشري إلى اليوم، واختلف فيه الفلاسفة والمفكرون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وأدلى بدلوهم فيه الفلاسفة المثاليون والواقعيون والتجريبيون والماديون والروحيون .. وكان من بين من أدلى فيه بدلوه: التفسير المادي للتاريخ، الذي زعم أن"القيم"غير ثابتة، ولا يمكن أن تكون ثابتة .. لأنها تُستمد من"الطور"الاقتصادي والاجتماعي الذي يكون فيه الإنسان؛ وما دامت الحياة الاقتصادية والاجتماعية متطورة على الدوام، فالقيم لا بد أن تكون متطورة معها، غير ثابتة على وضع من الأوضاع. وأن ما يعتبر خيرًا في لحظة قد يصبح شرًا في لحظة أخرى. وما يكون"قيمة"في طور من الأطوار قد يصبح لا قيمة له، حين يفقد الرصيد الاقتصادي والاجتماعي الذي أعطاه قيمته. فالطور الإقطاعي مثلا ينشئ قيمه الخاصة، الخلقية والفكرية والروحية، ومن بينها التدين والمحافظة الشديدة على كيان الأسرة، والتعاون والتكافل في المجتمع، والفروسية وما حولها من تقاليد وأخلاق، وسيطرة الأب والزوج وتشددهما في وضع"القيود"الخلقية على المرأة .. الخ .. الخ. وذلك كله ناشئ -في نظر التفسير المادي للتاريخ- عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الزراعي الإقطاعي، لا لأن شيئًا من ذلك ذو قيمة ذاتية ثابتة .. ثم يتطور المجتمع فينتقل من الإقطاع إلى الرأسمالية فتذوب"القيم"السابقة كلها وتنشأ قيم جديدة متمشية مع الطور الاقتصادي الجديد .. فيذهب عن الناس تدينهم، ويصبح عدم التدين"قيمة"ناشئة من المجتمع الجديد ومتمشية مع تطوراته! ويذهب عنهم المحافظة على تقاليد الأسرة، ويصبح تفكك الأسرة وانحلال روابطها قيمة جديدة"تطورية"وتقدمية! وتذهب عنهم أخلاق الفروسية ويحل محلها شعور فردي أناني يبحث عن صالح نفسه في عزلة عن الآخرين، ولا يؤمن بالمروءة والنخوة والبذل .. ويصبح ذلك كله قيمة اجتماعية جديدة، تطورية تقدمية! وهكذا! وإن كان فلاسفتهم يزعمون أن الطور الأخير للبشرية -حين تصل إليه- وهو الطور الشيوعي، سيكون طورا ثابتا (لِمَ؟) وستكون قيمه ثابتة!
وأدلى بدلوه كذلك التفسير الجنسي للسلوك البشري، الذي أقامه فرويد وحواريوه، والمستمد في الأصل من التفسير المادي الحيواني للإنسان الذي أقامه دارون من قبل .. وزعم هذا التفسير أنه لا توجد قيم على الإطلاق في نفس الفرد! فهو محكوم بغرائزه أبدا [وبغريزة الجنس بصفة خاصة في نظر فرويد] وأن هذه الغريزة تسعى إلى الحصول على اللذة والهروب من الألم .. وأن هذه هي"القيمة"الوحيدة في كيان الفرد .. وهي قيمة غير خلقية. وإنما الأخلاق والتقاليد والقيم الخلقية كلها مفروضة على الإنسان من الخارج -من المجتمع- ومن سلطة الأقوياء الذين يريدون أن يخضعوا الضعفاء لسلطانهم، فينشئون لهم قيودا قهرية يحددون بها سلوكهم، وتلك هي القيم الاجتماعية والخلقية والدينية!