الصفحة 145 من 169

وأدلى بدلوه كذلك التفسير الجمعي للسلوك البشري -يمثّله دركايم وحواريوه- وهو قريب من التفسير المادي للتاريخ من إحدى نواحيه .. وهي زعمه أن القيم كلها ينشئها"العقل الجمعي"دون أن يستشير فيها الأفراد أو يخضع لميولهم ورغباتهم، أو يرتكز بالضرورة على شيء في داخل كيانهم. وأن هذا"العقل الجمعي"متطور على الدوام متغير، ومن ثم فهو يغيّر قيمه باستمرار، ويُخْضِع لها الأفراد بالقوة القاهرة، الناشئة من أن الفرد بمفرده لا يستطيع أن يقف أمام سطوة المجتمع، وأنه ينشأ مطبوعا بطابعه أراد أم لم يرد .. والقيم على أي حال غير ثابتة، لأن العقل الجمعي لا يثبت على شيء إلا ريثما يتحول عنه إلى وضع جديد .. !

وثمت مذاهب أخرى شتى .. متشعبة حسب مزاج أصحابها وتصورهم لحقائق الحياة.

وقد ناقشت هذه المذاهب كلها أو بعضها في الكتب الأخرى [1] ، ولن أناقشها هنا تفصيلا .. ولكني أكتفي بأن أقول إن موضع الخلل فيها جميعًا أنها تنشئ أفكارها بعيدًا عن الفطرة البشرية في واقعها الحقيقي، وتتخيل أشياء لا صلة لها بهذا الواقع .. أو تتخيل صورة منحرفة لهذه الفطرة تبني عليها أفكارها ومذاهبها .. أو قد تهتدي إلى حقيقة جزئية في الكيان البشري، فترسم على أساسها صورة جزئية غير شاملة للكيان كله، ومن ثم تخرج صورة مشوهة لا تعبر عن حقيقة الإنسان.

ومعظم هذه المذاهب يركز على حقيقة الجسد، وينفي أو يستصغر حقيقة الروح، وحقيقة ارتباط الروح بالجسد في كل نشاط يقوم به الإنسان.

التفسير المادي والتفسير الاقتصادي للتاريخ يريان الحياة كلها من خلال ضرورات الجسد القاهرة، من خلال حاجة الإنسان إلى المأكل والمسكن والجنس، وسيطرة هذه الحاجات على سلوك الإنسان. ومع ذلك فهما -بعد هنيهة- ينسيان وجود الإنسان كلية، ويقيسان الحياة من خلال القيم الاقتصادية"المستقلة عن إرادة الإنسان" [كما يقول ماركس] والتي تفرض نفسها فرضا على حياة الناس. وكأنما يتصورونها قائمة بذاتها، وإنما تتخذ الناس فقط إطارا لقوتها ومظهرًا لتحققها!! [كما يتصور المؤمنون قوة الله!] .

والتفسير الجنسي للسلوك البشري كذلك يرى الحياة كلها من خلال ضرورات الجسد، ولكنه يحصرها في ضرورة الجنس، ويجعل الحياة كلها تنبثق من هذه الضرورة. وينفي حتى تأثير العوامل الاقتصادية والبيئية وتطور أساليب الإنتاج .. التي هي عماد التفسير المادي للتاريخ.

والتفسير الجمعي يتخيل -مثل التفسير المادي- وجود قوة مستقلة عن كيان الفرد قائمة بذاتها، كأنما بغير إطار!! وكأنما تتخذ الأفراد مجرد إطار لقدرتها! وهو بذلك يلغي ما للإنسان الفرد من حرية واختيار .. أي أنه في الحقيقة يشارك التفسيرين الآخرين في إهمال الجانب الروحي من الإنسان، الذي تتمثل فيه الإرادة والإيجابية والاختيار ..

كلها اختلالات ..

ولا تقل عنها اختلالا تلك المذهب المثالية التي تركز على حقيقة الروح وحدها، وتنفي أو تستصغر حقيقة الجسد، وحقيقة ارتباط الروح بالجسد في كل نشاط يقوم به الإنسان.

(1) كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام"وكتاب"معركة التقاليد"وكتاب"منهج الفن الإسلامي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت