الصفحة 167 من 169

هل نرسم الإنسان كما هو في الواقع، أم نرسمه كما ينبغي أن يكون؟

وما قيمة الصورة المثالية التي لا يمكن -في عالم الواقع- أن تكون؟

أما في هذا الكتاب فقد رسمنا الصورتين معًا. صورة الواقع وصورة المثال.

رسمنا الصورة الكاملة للكيان الإنساني ونشاطاته. الصورة السوية الموزونة المتعادلة بلا اختلال. ورسمنا إلى جانبها صورًا شتى للانحراف والشذوذ الذي يصيب ذلك الكيان.

وقلنا إن الصورة الكاملة لا توجد في واقع الحياة! فلماذا إذن نرسمها، ونتعب أنفسنا في تخيلها وتملّيها؟!

لن نقول إن النزوع إلى الكمال فطرة بشرية، وإن هذه الصورة المثالية تحقيق لذلك النزوع!

إنما نقول إن هذه الصورة المثالية ضرورة!

إن الجسم الكامل المتعادل المتزن بلا اختلال لا وجود له في عالم الواقع. ومع ذلك فنحن في الفن أو التشريح أو الطلب نرسم الصورة المثالية الكاملة لجسم الإنسان ونشاطه الجسدي. فلماذا نرسمها؟

قد يكون الفن نزوعا"خياليًا".. أما التشريح والطب فهما"علمان""واقعيان"لا يتهمان بالخيال. فلا بد إذن أن تكون هناك ضرورة لما يرسمانه من صور الكمال.

والضرورة واضحة ..

إن الأصل في الكيان -الجسدي أو النفسي- هو الصحة. والمرض هو الطارئ، وهو الانحراف.

وكون الإنسان -بكيانه الجسدي والنفسي- عرضة دائمًا للإصابة بالأمراض، لا ينفي أن الأصل هو الصحة. ولا ينفي وجوب المحاولة الدائمة للرجوع إلى حالة الصحة .. بقدر الإمكان.

ومن ثم ضرورة الصورة الكاملة!

فكي نعود إلى الصحة -أو نحاول العودة- يجب أن نعرف ما هي الصورة الصحيحة التي ينبغي أن نعود إليها، ونعرف درجة الانحراف .. لنشخص المرض ونرسم العلاج.

في الطب نرسم صورة كاملة للقلب المثالي، والكبد المثالية والمعدة المثالية .. إلخ. ونعرف في الوقت ذاته أنها صورة لا توجد في واقع الأجسام.

وفي علم النفس نرسم صورة كاملة للدوافع السوية والضوابط السوية، والتوازن الكامل والاعتدال. ونعرف في الوقت ذاته أنها صورة لا توجد في واقع النفوس ..

ونرسمها لأننا في حاجة إليها ..

فلكي نعالج القلب المريض ينبغي أن نعرف فيم اختل عن وظيفته المثالية، وبأي قدر كان الاختلال.

ولكي نعالج النفس المريضة ينبغي كذلك أن نعرف فيم اختلت عن وظيفتها المثالية، وبأي قدر كان الاختلال.

ولكن هناك حقيقة ينبغي أن نلتفت إليها ..

من أين جئنا بالصورة المثالية؟ وكيف قررنا أن"هذا"هو المثال؟

ذلك سؤال له أهميته .. لنضمن لأنفسنا أننا لا نزوّر من عندنا مثالا زائفًا لا يتحقق أبدًا في جزئية من جزئياته، وعندئذ يفقد هذا المثال قيمته ولا يصلح مرجعًا تقاس إليه الأشياء.

فأما في عالم الجسم فقد اتّخذ المثال من جزئيات متعددة، متفرقة في أجسام كثيرة، كل جزئية منها قد بلغت الكمال ..

حقيقة أنها لا تجتمع كلها، بمثاليتها هذه، في جسم واحد. ولكن يحدث في عالم الواقع أن يوجد قلب مثالي في شخص، وكبد مثالية في شخص، ومعدة مثالية في شخص .. ومن هذه الجزئيات المثالية المتفرقة عرفنا الوظيفة المثالية لكل عضو، وجمعنا الصورة المثالية للجسم كله لتكون مرجعًا لنا في علم الصحة وعلم الأمراض.

وفي عالم النفس كذلك ..

تتفرق المثاليات في نفوس شتى .. ولا تجتمع في نفس واحدة كل المثاليات.

ولكن توجد مع ذلك نفس بشرية كاملة هي مرجع القياس .. هي نفس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. أكمل نفسه خلقها الله، على النموذج الرباني الذي ارتضاه الله للإنسان، وطلب من الناس تحقيقه، كل وما يستطيع ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت