الصفحة 32 من 169

في كتاب"منهج التربية الإسلامية"فصل بهذا العنوان يقع في 67 صفحة، كان موضعه في الحقيقة هنا في هذا الكتاب! ولكنه سبق مولد هذا الكتاب في نفسي، كما أنه يؤدي دوره الطبيعي هناك في"منهج التربية".. فالموضوعان متصلان ومتشابكان.

ولا أملك أن أعيد هنا ما قلته هناك بحذافيره! ولكني أعيد عرض الفكرة هنا بما يناسب الدراسة النفسية التي نحن بصددها في هذا الكتاب.

قلنا في الفصل السابق ونحن نستعرض الطبيعة المزدوجة للكيان البشري، إن هناك مظاهر كثيرة لهذا الازدواج. ثم بدأنا بأول هذه المظاهر وأوضحها وهو حقيقة الجسم والروح.

وهنا نتحدث عن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية. وهي مظهر آخر من مظهر الازدواج في تلك النفس.

"إن من عجائب التكوين البشري تلك الخطوط الدقيقة المتقابلة المتوازية، كل اثنين منها متجاوران في النفس وهما في الوقت ذاته مختلفان في الاتجاه: الخوف والرجاء .. الحب والكره .. الاتجاه إلى الواقع والاتجاه إلى الخيال .. الطاقة الحسية والطاقة المعنوية .. الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بما لا تدركه الحواس .. حب"الالتزام"والميل للتطوع .. الفردية والجماعية .. السلبية والإيجابية .. إلخ. كلها خطوط متوازية ومتقابلة. وهي -باختلافها ذلك وتقابلها- تؤدي مهمتها في ربط الكائن البشري بالحياة، كأنما هي أوتاد متفرقة متقابلة تشد الكيان كله، وتربطه من كل جانب يصلح للارتباط! وفي الوقت ذاته توسع أفقه وتعدد جوانبه وتفسح مجال حياته، فلا ينحصر في نطاق واحد ولا مستوى واحد. وبذلك يتحقق للإنسان كيان فريد في كل ما نعرف من مخلوقات الله. كيان يرجع في النهاية إلى النشأة الأولى العجيبة المعجزة: قبضة الطين ونفخة الروح" [1] ...

هذه الخطوط المتقابلة عجيبة من عجائب التكوين البشري، وأعجب ما فيها هو الترابط القائم بين كل زوج منها رغم التقابل الكامل بينهما في الاتجاه.

كيف نشأت هذه الخطوط في نفس الإنسان؟

هل نستطيع أن نقول إنها نتيجة مباشرة لقبضة الطين ونفخة الروح؟

هل نستطيع أن نقول إن بعضها من طبيعة الطين وبعضها من طبيعة الروح؟

علم ذلك عند الله! وهو وحده الذي يعلم اليقين! وما نملك هنا القطع بشيء كما قطعنا بالحقيقة الأولى: حقيقة الجسم والروح. فهناك نستمد اليقين من كلام الله ذاته. أما هنا فهو مجرد حدس قد يخطئ وقد يصيب!

حسبنا إذن أن نصف هذه الخطوط وآثارها في كيان الإنسان وحياته .. دون أن نقطع في أمر نشأتها الأولى بيقين.

كل خطين متقابلان في الخلقة، متضادان في الاتجاه .. ومع ذلك فهما مترابطان، ويبلغ من ترابطهما أن يعملا معًا أحيانًا في ذات الوقت وفي ذات المجال ..

(1) من كتاب"منهج التربية الإسلامية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت