الصفحة 33 من 169

وقد التفت فرويد إلى خطين اثنين فقط من هذه الخطوط المتقابلة، هما خطا الحب والكره، وراح ينشئ حولهما نظرية بأكملها سماها نظرية"الازدواج العاطفي Ambivilence"ويقصد به على وجه التحديد أن الإنسان يحس بالحب والكره معا وفي ذات الوقت تجاه كل شيء وكل شخص في الوجود! وبلا سبب واع ولا سبب معقول! ففي اللحظة التي يولد فيها الحب في النفس تجاه أي شيء أو أي شخص، يولد معه الكره تلقائيا وبنفس القوة تجاه الشيء ذاته أو الشخص ذاته! ولما كان من المستحيل أن يظهر الإحساسان معًا في دائرة الشعور، فإن واحدا منهما فقط هو الذي يظهر على السطح وهو الحب -لأنه هو الذي يسمح المجتمع بظهوره! (ولم يقل لماذا!) - ويرسب الثاني -وهو الكره- في اللاشعور. ومن ثم يصبح كل حب ظاهر على السطح"تمويها"عن الكره الراسب في الأعماق! وبمقدار ما يكون الحب الظاهري قويا يكون الكره المكبوت في اللاشعور! وهكذا يكون ظاهر النفس الإنسانية هو الحب، بينما الباطن -بلا سبب- مملوء بالأحقاد!

وقد استبعد فرويد -في إصرار- كل حالة يكون فيها الكره المكبوت في اللاشعور ناشئا عن سبب -أي سبب! - كأن يكون الإنسان الذي تحبه قد تسبب في إغضابك أو إيلامك أو إزعاجك، فتكرهه لهذا السبب، ولكنك تغلب الحب على الكره،"فتكبت"الكره في اللاشعور ..

كلا لا يقصد ذلك! فهنا"سبب".. واع أو غير واع .. ولكنه يصر على أن الازدواج العاطفي تجاه الشيء الواحد أو الشخص الواحد يحدث بلا سبب .. فهو هكذا في صميم الفطرة!

ومن هنا -وبلا سبب- يحب الولد أمه ويكرهها. ويحب أباه ويكرهه. والأم تحب ولدها وتكرهه. والوالد يحب ولده ويكرهه. والزوج يحب زوجته ويكرهها. والزوجة تحب زوجها وتكرهه .. إل .. إلخ!

ويقيم فرويد على هذه"النظرية"نصف تفسيره على الأقل للنفس البشرية! فهذا الكره المكبوت -بلا سبب- هو الذي يوجه مشاعر الأفراد والجماعات، ويؤثر كذلك في العمل والسلوك. ومن هذا الكره -أو بالأحرى من الصراع الدائر بين الحب الظاهري والكره المكبوت- نشأ الدين والحضارة وتقاليد المجتمع .. وكل مظهر من مظاهر البشرية!!

وهو تعسف وتعنت لا يحمل الدليل! وما كان ينبغي"لعالِم"أن يلقي القول هكذا على عواهنه بلا دليل!

ولقد كشف هو نفسه عن زيف هذه النظرية كلها في سطرين اثنين من كتابه"Totem and Taboo"حيث قال في ص 139 -دون انتباه منه لما سبق أن قرره في هذا الكتاب وفي كل كتاب سواه-:"إن الكراهية التي تنشأ في نفس الولد نحو أبيه بسبب منافسته على أمه، لا تستطيع أن تستولي على نفسه دون أن تتعرض للمنع والحجر، فإن عليها أن تصارع الحب والإعجاب اللذين شنآ قبل ذلك في نفسه تجاه الشخص ذاته" (أي تجاه الأب) .

وهكذا يقر -من حيث لا يدري- بأن الحب والكره لا ينشآن نشوءا ذاتيا في نفس الوقت. فقد كان الحب موجودا قبل ذلك بمفرده دون أن يصحبه الكره. ثم إن الكره لا ينشأ هكذا بلا سبب. فقد نشأ في هذه الحالة -فيما يزعم فرويد- بسبب منافسة الأب للابن على شخص الأم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت