الصفحة 158 من 169

يقول جوليان هكسلي في كتابه"الإنسان في العالم الحديث": إنه"بعد دارون لم يعد في وسع الإنسان ألا يعتبر نفسه حيوانًا"! .. وتلك ملاحظة صادقة بالنسبة للداروينية ونظرتها للإنسان. فمما لا شك فيه أن دارون قد رد الإنسان حيوانا، ثم لم يرفعه من وهدة الحيوانية التي أنزلها إليها، برغم أن إيحاء نظرة"التطور"ذاتها كان يقتضي إعطاء الإنسان مكانة متميزة، بفضل خصائصه المتميزة التي حصل عليها في أثناء التطور، وذلك بفرض أن النظرية كلها صحيحة من الألف للياء! فالحيوان ذو العينين، المتطور -فرضًا- عن حيوان غير ذي عينين، يصبح من لحظته الأولى كائنا متميزا، لا ينطبق عليه ما كان ينطبق على سالفه، ويؤخذ من جانب تميزه، أكثر مما يؤخذ من جانب مشابهته لما سبقه من الأحياء!

ولكن الرغبة المجنونة في مكايدة الكنيسة بتحقير الإنسان قد أنست الداروينيين أنفسهم، فمضوا يقررون حيوانية الإنسان في حماسة، بل يعتزون بحيوانية الإنسان!

ومضت إيحاءات الداروينية تنفث سمومها على نطاق واسع، فتتشربها مذاهب الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس .. والآداب والفنون .. وكل الإنتاج الفكري الغربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين! [1]

التفسير المادي للتاريخ ..

التفسير الجنسي للسلوك ..

التفسير الجثماني للمشاعر ..

الاتجاهات الواقعية والطبيعية في الآداب والفنون .. الخ .. الخ.

كلها انعكاسات للداروينية .. وكلها توكيد لحيوانية الإنسان!

إن"القيم العليا"و"الضوابط"هي المميز النهائي للإنسان عن الحيوان .. والقيم العليا والضوابط، هي بالذات الأشياء التي تحقرها هذه المذاهب جميعا، وتشكك في قيمتها، وتأبى -في جميع الأحوال- أن تردها إلى الجانب الروحي في الإنسان، لأنها -بادئ ذي بدء- لا تؤمن بوجود جانب روحي في الإنسان!

التفسير المادي للتاريخ يقول: إن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام!

ويقول: إن"القيم"كلها مجرد انعكاس للوضع المادي -أو الاقتصادي- وليست شيئًا قائمًا بذاته، ولا رصيد لها في"الفطرة"البشرية .. فالفطرة البشرية ذاتها شيء لا وجود له في عرف هذا التفسير!

ويقول: إن هذه القيم، فوق أنها ليست أمرًا"إنسانيا"ذاتيا، وإنما انعكاس للوضع المادي أو الطور الاقتصادي، فإنها لا ثبات لها، ولا مقياس. فهي"متطورة"مع التطور المادي، وخاضعة له. فإذا اقتضى الوضع الاقتصادي في وقت من الأوقات أن تكون المرأة عفيفة ومخلصة لزوجها، فهذا انعكاس البيئة الزراعية، وليس"قيمة"إنسانية. فإذا جاء طور اقتصادي آخر كالطور الصناعي يستلزم"تحرير"المرأة اقتصاديا، فهو كذلك"يحررها!"خلقيا وجنسيا .. ويستتبع ذلك أن تكون العفة الجنسية قيدا سخيفا لا مبرر له: فقد كانت تستوجبه تبعية المرأة للرجل اقتصاديا (!!) فما دامت مستقلة، لا تعتمد عليه في الرزق، فهي كذلك لا تتعفف من أجله .. وإنما تصنع بنفسها ما تشاء. وتصبح"القيمة"الخلقية الجديدة المنعكسة عن الوضع الاقتصادي هي الإباحية الجنسية!!

(1) انظر فصل"اليهود الثلاثة"في كتاب"التطور والثبات في حياة البشرية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت