الصفحة 119 من 169

هذه المراحل الطويلة من النمو التي وصفناها في الفصول السابقة، وهذه الجوانب الكثيرة المتعدد المتقابلة في كيان الإنسان .. كلها عرضة للانحراف!

وقد كنا -حتى الآن- نتحدث عن النفس السوية المتكاملة، التي نمت نموها الطبيعي، وتكاملت كل جوانبها، فقامت -على قواعدها الصحيحة- كالبنيان الراسخ، ثم انطلقت تعمل بكل طاقتها في مجالها الصحيح.

وكنا نشير -بين الحين والحين- إشارات عابرة إلى الانحراف والشذوذ، وأنهما يفسدان هذا البنيان الراسخ، ويجعلان طاقته بعيدة عن مجالها الصحيح.

فهنا نتتبع النفس في مراحل نموها المختلفة، وفي جوانبها المتعددة، لنرى كيف يحدث الانحراف عن سواء السبيل.

وينبغي قبل أن نبدأ في بيان الحالات المختلفة للانحراف والشذوذ، أن نقرر حقيقة إنسانية جديرة بالتسجيل، هي تعدد الأنماط البشرية، وعدم انحصارها في صورة معينة مكرورة.

لقد ميز الله الإنسان بخصال كثيرة، من بينها هذه السعة العجيبة في أنماط البشرية .. تتشابه كلها دون أن تتماثل. حتى لنستطيع أن نقول إنه لا يوجد فردان من البشرية يتماثلان تماثلا كاملا على مدار الأجيال، كما لا تتماثل بصمات الأصابع بين أي فردين على مدار التاريخ!

هذا التعدد في الأنماط يعطي الحياة البشرية ولا شك ثراء لا يعرفه عالم الحيوان .. ثراء يجعل الحياة أوسع بكثير وأعمق بكثير من صورتها الظاهرة. فكل إنسان عالم وحده، مع تشابه هذه العوالم وتقاربها. والتقاء إنسان بإنسان، هو التقاء بين عالمين مختلفين، مع تشابه"اللغة"الشعورية والفكرية والجسدية في نهاية المطاف.

وتلك نعمة كبرى من نعم الخالق على الإنسان. وإلا فلو أن هذا الإنسان -مع ما وهبه الله من قوة الإدراك والمعرفة والإنتاج المادي والفكري والروحي- كان صورة واحدة مكرورة .. ألا ما أضيق الحياة عندئذ وما أبعثها على الضجر والملال .. ! ولكنها، بهذا الثراء الناشئ من تعدد الأنماط، جديرة حقا بهذا المخلوق الذي كرمه الله ورعاه ..

وثمت نعمة أخرى أخص من هذه، هي تعدد الأنماط السوية للإنسان ..

إن الله لم يكتب على الإنسان صورة واحدة من السواء، بحيث تحتاج البشرية إلى الانحراف والشذوذ لتعدّد أنماطها وتُثري حياتها! بل بسط نعمته كاملة .. فجعل السواء أنماطا متعددة، كلها سويّ، ومع ذلك لا يتماثل سواء وسواء، ولا شخص سوي وشخص سوي. بل يظل كل إنسان سويّ عالما وحده يلتقي بغيره من العوالم على سواء وعلى اختلاف في ذات الوقت، في البنية النفسية وطريقة التصرف وطريقة الإحساس.

وربما تكون المسألة أقرب إلى التصور لو تذكرنا تعدد أنماط الجمال .. كلها جميلة، ومع ذلك فكل جمال صورة وحده لا تختلط بغيرها من صور الجمال. وكذلك النفوس السوية .. جميلة .. ولكنها"متخصصة"في جمالها، كل واحدة منها ذات طابع واتجاه.

فلسنا نحتاج إذن إلى الانحراف والشذوذ لتعديد أنماط الحياة وإزائها، والثراء متوفر مع الاستواء. ولكن حكمة الله قد خلقت مع ذلك أنماط أخرى شاذة ومنحرفة، ليتبين الفرق بين هذا الاتجاه وذاك!

ثم ننتقل خطوة أخرى فنقرر أن السواء الكامل نادر الوجود .. ولا بد من انحرافة -ولو بسيطة- من هنا ومن هناك! فهل نقول إذن أن البشرية كلها منحرفة كما قال فرويد، ونلغي عندئذ جميع المقاييس؟! [1] .

كلا!

ونعود ثانية إلى التشبيه بالجسم لأنه يقرب الصورة إلى الأذهان:

(1) في كتابه Three Contributions to the Sexual Theory ص22 يقول: إننا جميعا مصابون بالهستريا إلى حد ما:"We are all hysterical to some extent"انظر بعد ذلك الفصل الأخير من هذا الكتاب:"بين الواقع والمثال".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت