الصفحة 120 من 169

الجسم"الكامل"نادر الوجود. سواء من الظاهر أو من الباطن. فالجسم الذي يتساوى فيه الشّقان المتقابلان تساويا كاملا، فلا تختلف عينه اليمنى عن اليسرى أدنى اختلاف، ولا أذنه اليمنى عن اليسرى، ولا طاقة أنفه اليمنى عن اليسرى، ولا كتفه ولا ذراعه ولا يده ولا رجله ولا قدمه ولا أصابعه .. جسم نادر الوجود حقا إن لم يكن مستحيل الوجود! وذلك مع افتراض أن هذا الجسم سائر على المقاييس الأصولية في نسبة الطول ونسبة العرض ونسبة الأعضاء بعضها إلى بعض، بحيث لا يختل مقياس واحد من هذه المقاييس!

والجسم الذي سلمت أحشاؤه كلها سلامة كاملة، فلا يختل منه قلب ولا كبد ولا معدة ولا أمعاء في ليل أو نهار، ولا ينبض قلبه نبضة زائدة أو نبضة ناقصة، ولا يصاب بإمساك ولا إسهال ولا عسر هضم ولا صداع ولا ألم .. هو جسم مستحيل الوجود في واقع الحياة ..

ومع ذلك لم يقل خبراء"الجمال"إن أجسام البشرية كلها منحرفة، ولم يقل خبراء الطب إن البشر جميعا مرضى ليس بينهم سليم!

وإنما اصطلحوا على كلام معقول: فهناك دائرة من الانحرافات البسيطة نقصًا وزيادة لا تحسب في عالم الانحراف وإنما تحسب في عالم الاستواء، ما دامت لا تشوه مظهر الجسم أو لا تفسد دورة الحياة فيه.

فحين تكون كتف أعلى قليلا من كتف، أو ساق أقصر قليلا من ساق، بحيث لا يظهر ذلك إلا للفاحص المدقق الذي يتعمد الفحص والتدقيق، فهذا الجسم سويّ رغم ما فيه من انحراف بسيط.

وحين يوجد قلب يخفق أحيانًا بسرعة زائدة عن المعدل، أو كبد تكسل أحيانًا عن الإفراز، وأمعاء تمسك أحيانًا عن العمل، فهذا الجسم"طبيعي"وليس مريضًا، رغم ما فيه من اختلال بسيط.

أما حين يصل الأمر إلى النشوء الظاهر أو الاختلال الدائم في وظيفة من وظائف الأعضاء، فعندئذ يقال إن هذا الجسم مختل أو مريض.

وكذلك الأمر في عالم النفوس. هناك دائرة من الانحرافات البسيطة نقصًا وزيادة لا تحسب في عالم الانحراف وإنما تحسب في عالم الاستواء، ما دامت لا تشوّه النفس ولا تفسد دورة الحياة فيها .. وما دام لا يمكن أن تخلو منها نفس من النفوس. وإنما يدخل الأمر دائرة الانحراف حين يزيد الاختلال عن حده البسيط.

وليست هناك بطبيعة الحال خطوط حاسمة للسواء والانحراف في عالم النفوس، كما لا توجد خطوط حاسمة للصحة والمرض في عالم الأجسام. ولكن هناك أمورًا معينة يكون من المؤكد أنها داخلة في دائرة الانحراف، وأمورًا أخرى داخلة في دائرة الاستواء. وبينهما متشابهات، قد تحسب هنا مرة ومرة هناك.

ويبقى بعد ذلك بيان الفرق بين ما يسمى بالانحراف وما يسمى بالشذوذ.

كلاهما خارج بطبيعة الحال عن دائرة الاستواء، ولكنهما يختلفان في درجة الخروج. فأما الانحراف فهو الشوط الأول من الخلل، وأما الشذوذ فهو شوطه الأخير.

ولكن المسألة ليست مجرد الاختلاف في الدرجة .. فهناك قانون من قوانين الطبيعة يقول إن التغير الكمي إذا زاد عن درجة معينة ينقلب إلى تغير نوعي. فالإنسان مثلا يسرع في المشي، فيظل يسمى ماشيًا إلى درجة معينة. فإذا زادت سرعته بعد ذلك فإن حركته لا تعود تسمى مشيًا، وإنما تتحول إلى جري، فليست"كمية"الحركة وحدها هي التي تغيرت. وإنما"نوع"الحركة كذلك تغير.

وفي عالم النفوس ينطبق كذلك هذا القانون. فحين يزيد الانحراف عن درجة معينة فإن وضعه في النفس يتغير، ويصبح عملية أخرى مختلفة، وتوصف بأنها شذوذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت