وكما أنه لا توجد خطوط حاسمة تفصل بين الاستواء والانحراف، فكذلك لا توجد خطوط حاسمة تفصل بين الانحراف والشذوذ، فهما دائرتان -إلى حد ما- متداخلتان، نهاية هذه في بداية تلك. ولكن"العملية النفسية"مختلفة في الحالتين رغم وجود هذه المنطقة المشتركة عند الطرفين. فالانحراف يحدث خللا في دورة الحياة السوية ولكنه لا يعطلها تعطيلا كاملا ولا يقلب وظيفتها في النفس، بينما الشذوذ يحدث هذا القلب والتعطيل.
مرة أخرى مثال من الجسم:
قد تكسل المرارة مثلا عن وظيفتها، فلا تفرز السائل الذي يهضم المواد الدهنية، فيحدث من ذلك خلل -يتراوح مقداره- في عملية الهضم. ولكن في مرحلة معينة من مراحل المرض قد تفرز المرارة سائلها الأصفر في الدم. فيحدث تسمم سريع. هذه عملية غير تلك .. وهكذا بقية الأمراض.
وكذلك الأمر في النفوس .. فالأنانية الزائدة انحراف .. وهي تظل في دائرة الانحراف ما دامت لا تصل إلى حد الجريمة. فإذا وصلت إلى الجريمة: إلى العدوان على الآخرين وعدم الاكتفاء بالموقف السلبي منهم، فهي شذوذ.
والانحراف كما قلنا لا يعطل دورة الحياة .. كما قد يعيش إنسان حياته كلها بقلب مريض أو كلية مريضة. وتكون حياته مهددة دائمًا وناقصة النشاط، ولكنه يعيش. غير أنه لا يستطيع أن يعيش حين تزيد نسبة البولينا في الدم، أو حين يعجز الدم عن تغذية عضلة القلب ذاتها .. وكذلك قد يعيش الإنسان بانحراف نفسي مدى حياته كلها، ويكون مريضًا بلا شك، ونشاطه السوي محدود. ولكنه -بطريقة ما- يعيش. أما حين تصل المسألة إلى الشذوذ فالأمر مختلف. ولن"يموت"الإنسان بطبيعة الحال حين تختل نفسه إلى درجة الشذوذ، ولكنه يعيش في اضطراب دائم وإيذاء دائم للآخرين.
والآن نبدأ الحديث عن ألوان الانحراف المتلفة وألوان الشذوذ.
قلنا بادئ ذي بدء إن الإنسان ذو طبيعة مزدوجة وكيان موحد.
هذا هو الوصف الشامل للإنسان. وهذه كذلك أول نقطة يمكن أن يبدأ عندها الانحراف والشذوذ.
الإنسان على فطرته السوية كيان متعادل متوازن .. قبضة الطين ونفخة الروح يكوّنان مزاجه الممتزج المترابط الموحد .. الذي يختلط فيه العنصران ويمتزجان، فلا يعود هناك انفصال بينهما ولا اثنينية متميزة .. وإنما يصير الإنسان جسمًا وروحًا معًا في كل حالة من حالاته، مع اختلاف النسب بين مختلف الحالات ..
نعم، هما عنصران متداخلان. لا يوجد أيهما بمفرده على الحال التي كان عليها قبل الامتزاج. ولكنهما لا يظهران بنسبة واحدة في جميع حالات الإنسان. فأحيانًا تغلب نسبة هذا العنصر أو ذاك. ولكن لا يحدث أبدًا أن يكون أحدهما موجودًا بمفرده والآخر غائبًا عن الوجود. وما بين الطرفين المتطرفين توجد آلاف من النسب المختلفة، كل منها يمكن أن يكوّن حالة من حالات الإنسان. وهو يتدرج ما بين هذه النسب المختلفة المتفاوتة تدرجًا طبيعيًا سويًا فيما سميناه من قبل"الجنوح"ناحية الجسد أو ناحية الروح .. ولكنا لاحظنا في هذا الشأن أمرين: أن النفس السوية تتداول هذا الجنوح بصفة مستمرة، فتجنح مرة هنا ومرة هناك، ولا تثبت على جنوح واحد [إلا في الحالة المرضية] وأنها تصل بهذا التداول المستمر إلى التوازن في نهاية الأمر .. كما يميل الإنسان الواقف على عارضة رفيعة مرة ذات اليمين ومرة ذات اليسار ليحفظ توازنه، فيكون هذا الميل من هنا ومن هناك هو المعين له على التوازن المنشود.
فالآن نصل إلى بيان أول نقطة يمكن أن يحدث فيها لونان من الانحراف والشذوذ.