هذه النسب المتفاوتة التي أشرنا إليها من قبل، وقلنا إنها تتسع لآلاف من الحالات المختلفة، ينبغي في الحالة السوية ألا تقترب من الأطراف التي تقع عندها نقطة الصفر في هذا الاتجاه أو ذاك: لا صفر الجسد ولا صفر الروح!
وقد لا يحدث أبدًا -مهما كانت شدة المرض النفسي- أن تصل إلى نقطة الصفر. ولكن الحالات التي تصغر فيها نسبة أحد العنصرين إلى ما يقرب من نقطة الصفر هي حالات غير سوية إذا زادت عن لحظات عارضة من هنا أو من هناك. وهي تدخل في دائرة الانحراف أو دائرة الشذوذ بمقدار ما تقترب من نقطة الصفر، وبمقدار ما تثبت على هذا الاقتراب.
حقًا إن هناك ساعات يغلب فيها الجسد، وساعات تغلب فيها الروح.
فساعة المتاع الجنسي -حتى في أنظف حالاته- هي من غير شك ساعة متاع جسدي غالب ظاهر صريح.
وساعة العبادة المستغرقة هي من غير شك ساعة متاع روحي غالب صريح.
ولكنا بيّنا في فصل"طبيعة مزدوجة"أنه لا يمكن في الحالة السوية أن يكون الجنس متاعًا جسديًا خالصًا ولا أن تكون العبادة متاعا روحيًا خالصًا، فلا بد من امتزاج العنصرين في كل حالة.
أما في حالة المرض فإن النسبة تقترب كما قلنا من نقطة الصفر اقترابًا يزيد أو ينقص بحسب درجة المرض، فيكون الانحراف أو يكون الشذوذ.
هناك شخص همه هو جسده وملذاته وشهواته .. لا يكاد يفيق منها، ولا يكاد يذكر أن له طاقة روحية مودعة في كيانه ليحقق بها هدفًا أسمى من نشاط الحيوان. هدفًا يتمثل في"الإنتاج"المادي والفكري والروحي جميعًا .. يتمثل في إقامة الحياة البشرية على أسس نظيفة وعادلة، بريئة من الظلم والفساد.
فهذا بلا شك شخص منحرف. يعمل بجانب واحد من كيانه ويعطل الجانب الآخر أو يكاد. فهو كالشخص الذي يميل بكتف واحدة من كتفيه على الدوام، في مشيته وحركته ومنامه ..
وبصرف النظر عن وضع هذا الانحراف في ميزان الأخلاق [سنعالج هذا الأمر في الفصل القادم: الخير والشر في النفس البشرية] فإننا نتكلم هنا عن الناحية النفسية البحتة [بغرض البحث التفصيلي فقط. وإلا فالإنسان وحدة متراكبة كما أكدنا في الفصول السابقة، لا يمكن فصل بعضه عن بعض] .. ومثل هذا الشخص -من الناحية النفسية- منحرف كذي الكتف الواحدة المائلة.
وهناك شخص همه نظافة روحه .. فيقلل من متاع جسده إلى أقصى حد .. بل ينقلب على جسده يعذبه ويهينه .. يجيعه ويظمئه ويؤلمه ويؤذيه .. ليظفر -في وهمه- برفعة الروح.
وهذا أيضًا شخص منحرف. يعمل بجانب واحد من كيانه ويعطل الجانب الآخر أو يكاد. ولا يفترق عن الأول إلا بأنه يميل بكتفه الأخرى. وفي كلتا الحالتين لا استواء.
الشخص الأول انحرف ناحية الحيوان. لا لأنه يستمتع بمتاع الجسد، فهذا نشاط إنساني أصيل، مطلوب في حالته السوية. ولكن لأنه جنح جنوحا ثابتًا ناحية الحيوان، فثبت على الحالة التي ينبغي -في الحالة السوية- أن يمر بها مرورًا ولا يثبت عليها.
والشخص الثاني انحرف ناحية الملَك. لا لأنه يستمتع بمتاع الروح. فهذا نشاط إنساني أصيل، مطلوب في حالته السوية. ولكن لأنه جنح جنوحًا ثابتًا ناحية الملك. فثبت على حالة كان ينبغي -في الحالة السوية- أن يمر بها مرورًا ولا يثبت عليها.
ومن ثم فأي مخالفة للوضع الطبيعي للإنسان تسبب الانحراف. فليس الانحراف هو الجنوح الثابت نحو الحيوانية وحده كما قد يخيل الكثير من الناس [وإن كان هذا هو الأكثر حدوثا] ولكن الجنوح الدائم نحو الملائكية هو كذلك انحراف بالنسبة للإنسان.