الصفحة 123 من 169

وليس الأمر هنا أمر هبوط أو رفعة. فالذي يعذب جسده لتصفو روحه يهدف في وهم نفسه إلى الرفعة .. ولكنه يخالف طبيعة"الإنسان". ومن ثم فهو منحرف عن الوضع السوي الذي ينبغي أن يكون عليه. والمحك في ذلك ينبغي أن يكون هو الإنسان ذاته كما خلقه الله. فهو لم يخلقه حيوانا ولا ملكا. ومن ثم فالجنوح الدائم نحو الحيوانية أو الملائكية انحراف عن طبيعة الإنسان ووظيفة الإنسان.

وكما قلنا لن نتحدث في هذا الفصل عن القيم الخلقية رغم استحالة تجزئة الإنسان ونشاطه وقيمه، وسنتحدث فقط عن القيم النفسية [كل القيم تلتقي في النهاية على سواء. ولكنا نفصل بينها هنا لضرورة البحث] .

الإنسان الجانح نحو الحيوانية قد نما جانب من جوانب نفسه نموًا زائدًا عن الحد، بينما ضمر في نفسه الجانب المقابل. فهو إذن ليس في حالته السوية التي تنمو فيها كل أجزاء النفس بنسب متعادلة متوازنة. فهو كالمصاب بتضخم عضو من أعضائه، أو بورم خبيث في مكان من جسمه: لا يحسب له هذا التضخم في جانب الصحة، بل يحسب في جانب المرض الذي يهلك الجسم ويدمره إذا لم يعالج في وقته المناسب.

والإنسان الجانح نحو الملائكية مثله تمامًا من الناحية المقابلة. لقد نما جانب من نفسه نموًا زائدًا عن الحد وضمر في نفسه الجانب المقابل. ولا عبرة بأن هذا الجانب مشرق في ذاته ومضيء ورفيع .. فهو متصف بهذه الصفات كلها وهو في وضعه الطبيعي، أي على ركيزته الفطرية السوية التي ترتكز على بناء جسدي روحيّ في ذات الوقت. ولكنه حين يزيد عن حده يدمر القاعدة التي يرتكز عليها. وينشأ عن ذلك تعطيل الكيان البشري في مجموعه. تعطيل بالسلبية .. وتعطيل بعدم الإنتاج. وتعطيل بصرف الطاقة في مناوأة الجسم ومتاعه [السويّ] بدلا من صرفها في مقاومة شرور المجتمع الخارجي، والتعرف على قوانين الكون والحياة، والاستفادة بها في إقامة الحياة على أسس نظيفة جميلة وعادلة.

ذلك هو اللون الأول من ألوان الانحراف: الجنوح الدائم نحو الملك أو الحيوان.

أما اللون الثاني فهو جنوح مؤقت ولكنه شديد نحو هذا الجانب أو ذاك.

هذا إنسان يتداول في نفسه نشاط الجسد ونشاط الروح. ولكنه حين يقوم بنشاط الجسد يقوم به صرفا [تقريبًا] فلا يمزج به إشراقة الروح. وحين يقوم بنشاط الروح يقوم به صرفًا تقريبًا فلا يمزج به نشاط الجسد المعقول.

مثل أولئك الناس فيهم اختلال ولا شك. وهم متطرفون في تصرفاتهم وإن كانوا يمارسون كل نشاط الإنسان. ففي ساعة المتاع الجسدي يقبلون عليه كالحيوان. يأكلون بشراهة لا تلطفها إشراقة الروح التي تجعل للطعام هدفًا، وتخلط به قيما، وتهذب من شراهته. ويمارسون نشاطهم الجنسي في تلمظ حيواني غليظ، لا تلطفه إشراقة الروح التي تمزج به عواطف جميلة وفنونًا رقيقة وتهذيبا في السلوك .. وفي ساعة المتاع الروحي يغرقون فيه إلى حد نسيان أنفسهم .. إلى حد التصوف والتزهد! ثم يعودون.

وقد يبدو لأول وهلة أن ذلك شيء نادر الحدوق في بني الإنسان! ولكنه -على درجات متفاوتة- كثير الحدوث جدا .. إلى درجة لا تخطر على البال!

لقد كان المصريون الفراعنة يغرقون في متاع الجسد فيسكرون ويرقصون، ويغرقون في حمأة الجنس .. ثم يخرجون إلى المعبد يبكون وينوحون ويتذكرون الموت، وينقطعون -فترة- عن الحياة!

وما زال أبناؤهم حتى اليوم يقولون في أمثالهم:"ساعة لربك وساعة لقلبك .. !"بمعنى انفصال هذه الساعة عن تلك. ساعة الرب لا مجال فيها للقلب -أي للمتاع"الدنيوي". وساعة القلب لا مجال فيها للرب- أي لتذكر الآخرة وعبادة الله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت