الصفحة 124 من 169

ومن ثم تتفكك شخصية الإنسان وتنحل .. لا"المبادئ"والعقائد تحكم السلوك .. ولا السلوك يرتبط بشيء من المبادئ والمثل .. ويبدو الإنسان كأنه شخصيتان منفصلتان، إحداهما حيوان أو قريب من الحيوان. والآخر زاهد متصوف منصرف عن متاع الأرض!

وكذلك -على طريقة أخرى- كانت أوربا في عصورها الوسطى تعيش بشخصيتين منفصلتين: إحداهما الشخصية المسيحية المتعبدة المتصوفة الزاهدة -في داخل الكنيسة! - تسمو أراوحها على التراتيل الشجية والأنغام الرائقة .. والأخرى هي الشخصية الرومانية الإغريقية التي تعيش في حدود ما تدركه الحواس فحسب .. ومن ثم تظل الحياة"الواقعية"غير محكومة بمبادئ المسيحية ومثلها المترفعة التي تقول:"أحب أعداءك". والتي تقول:"إذا ضربك أحدهم على خدك الأيمن فأدر له الأيسر". والتي تقول:"إذا أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك، فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك من أن يلقى بدنك كله في جهنم". وتظل المسيحية تابعة في داخل المعبد لا تنشر لواءها على واقع الحياة.

وظلت أوربا بذلك مفككة مجزأة الشخصية، حتى جنحت في عصرها الحديث نحو عالم الجسد، فاستبدلت انحرافا بانحراف، وشذوذا بشذوذ! فضلا عن أنها لم تفق بعد من آثار انحرافها الأول. فكأنها تضيف هذا إلى ذاك!

والإنسان الذي يعيش على هذا النحو المزدوج، لا ينحرف لأنه يجنح جنوحا مؤقتا نحو عالم الجسد أو نحو عالم الروح. فتلك عملية سوية فطرية. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب ..." [1] . ولكن الانحراف نشأ من التطرف في هذا الجنوح المؤقت، بصورة تكاد تفصل الجسد عن الروح، وتجعل لكل منهما عالما غير متصل بالآخر أي اتصال.

والإنسان في فطرته السوية لا يعرف هذا الانفصال -الدائم أو المؤقت. ومن ثم فنشاطه الفطري السوي نشاط متكامل مترابط .. السلوك مرتبط بالقيم. والقيم تحكم السلوك. فإذا انفصل السلوك عن القيم كما هو منفصل في حياة البشرية اليوم -شرقها وغربها- فصار لها سلوك"واقعي"تحكمه الضرورة القاهرة ودفعة الغريزة، وقيم معلقة في الفضاء تُبحث وتُفَلْسَف بمعزل عن الحياة الواقعة .. فذلك انحراف خطر على كيان البشرية لأنه غير أصيل في كيانها ولا يتمشى مع فطرتها. إنه تمزيق للشخصية وتفتيت .. لا ينتج عنه إلا الضعف والتفكك والانحلال .. وفي نهاية الأمر يصل إلى البوار.

والأفراد في ذلك كالشعوب. فهي عملية واحدة تصيب الفرد فتدمر كيانه. وتصيب الأمة فتدمرها. و"علم النفس"القائم اليوم في الغرب لا يحسب هذا انحرافا ولا شذوذا إلا حين يتم اختلال الجهاز النفسي، فيعجز عجزا تاما عن"التكيف"أو التفاهم مع البيئة الخارجية .. ولكن الواقع أن هناك درجات كثيرة من الاختلال تسبق هذه الصورة الحادة. وهي إن كانت لا تُعجز الكيان النفسي عجزا كاملا، فذلك لا ينفي عنها صفة الانحراف. كما يمرض الجسد -لفترات طويلة أحيانا- دون أن يعجز عجزا كاملا عن العمل. ولكن أحدا من الأطباء لا يقول عنه عندئذ إنه سليم! أو يسكت عن علاجه بحجة أنه لم يعجز تماما عن القيام بشيء من النشاط.

(1) رواه ابن حبان والحاكم عن أبي ذر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت