الصفحة 125 من 169

والبشرية اليوم تعاني هذا المرض النفسي على درجاته المختلفة من الانحراف إلى الشذوذ. فنجد الشخص الواحد -في حالات الانحراف- يعيش حياتين منفصلتين، إحداهما أشبه بالآلة أو البهيمة، والأخرى متعلقة بمثل جوفاء لا رصيد لها من الواقع. وتجد الأمة الواحدة -في حالات الشذوذ- تتغنى بالحرية والعدالة والإخاء- ثم تسل قواتها لتبيد ألوفا من البشر لأنهم يطلبون الحرية والعدالة والإخاء!

وأوربا لا ترى ذلك انحرافا ولا شذوذا لأنها غارقة فيه قد أعماها الدوار. ولكن المقاييس السوية أمامنا، وهي المرجع الذي ينبغي أن تقاس به الأمور!

وننتقل مع التركيب النفسي للإنسان خطوة أخرى، فنتحدث عن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية، وكيف يحدث فيها الانحراف والشذوذ.

إن من المهام الرئيسية لهذه الخطوط إحداث التوازن في نفس الإنسان بتوازيها وتقابلها، ومع ذلك فهي عرضة للانحراف والشذوذ، وعندئذ تصبح سببا من أسباب الخلل بدلا من أن تكون عامل اتزان! مثلها في ذلك مثل الساقين أو الذراعين والكتفين، المفروض فيهما أن يمنحا الجسم اعتداله وتوازنه. ولكن حين يحدث الخلل في ذات الساق أو الذراع أو الكتف فإنها تخل بتوازن الجسم كله وتصبح من أسباب التشويه بعد أن كانت من عوامل الجمال.

وهنا لونان من الخلل يمكن أن يصيبا الخطوط النفسية المتقابلة فينتج عن كل منهما انحراف أو شذوذ:

الخلل الأول هو انحراف أي خط من الخطوط [أو أي زوج] عن مساره السويّ الذي كان ينبغي أن يسير فيه. كما تعوجّ في الجسم الساق أو القدم أو الذراع أو الكتف [أو الزوجان معا] فلا تكون في وضعها الصحيح ولا تؤدي مهمتها الأصيلة. والخلل الثاني هو زيادة أي من الخطين المتقابلين عن زميله المقابل له، بما يفقدهما توازنهما بالنسبة لبعضهما البعض، ويفقد النفس كلها توازنها تبعا لذلك. كما تطول في الجسم ساق عن ساق، أو كتف عن كتف .. فتختل حركة الجسم جميعا ..

وقدر من هذا الانحراف يحدث في كل نفس سوية كما بينا من قبل. ولن توجد النفس التي تتوازن توازنها الكامل في كل لحظة وإزاء كل حدث من الأحداث [وليس مطلوبا أن توجد!] وإنما نسميه انحرافا أو شذوذا حين يزيد عن القدر المعقول.

وسنتتبع الخطوط المتقابلة كلها لنستعرض في كل منها ألوان الاختلال.

الخوف والرجاء أكبر خطوط النفس البشرية وأوسعها مجالا [1] .. وفي الوقت ذاته [أو لهذا السبب ذاته] هي أشدها عرضة لاتساع مجالات الانحراف والشذوذ!

وقد يتنافى فصل"الخطوط المتقابلة"أن الخوف والرجاء يؤديان مهمة رئيسية في حياة الإنسان. فكل منهما لازم للحياة لا تستقيم بدونه النفس. ولكن على شرط أن يكون كل منهما في وضعه الصحيح ويؤدي مهمته الصحيحة.

الخوف مهمته الأولى صيانة حياة الإنسان من الخطر والتلف اللذين يمكن أن يقضيا عليه لو لم يكن في تركيبه هذا الشعور الفطري بالخوف.

ولكن حين ينحرف خط الخوف عن مساره فإنه هو ذاته يعرض الإنسان للتلف والبوار!

الإنسان الذي يخاف كل شيء لا يقدم على عمل ولا يتقدم من مكانه خطوة مخافة الأخطار في الطريق! وبهذا يتعطل قدر كبير من نشاطه وإنتاجه الذي كان يمكن أن يؤديه في حالته السوية، فضلا عن القلق الدائم والاضطراب النفسي الذي يصيبه من التوقع الدائم للأخطار. وفوق ذلك فهو شخص جبان حياته كلها خوف ولا إقدام. فلا هو يدفع عن نفسه أذى ولا يذود ظلما، ولا يسعى للمشاركة في أمر من الأمور العامة التي تعرض الإنسان لشيء من المشقة. وبذلك يفقد نفسه ويفقده مجتمعه على قدر ما يعمل في نفسه هذا الانحراف أو ذلك الشذوذ.

(1) راجع فصل"الخطوط المتقابلة في النفس البشرية"في هذا الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت