فهرس الكتاب
وقد يكون الخوف عاما وقد يكون متخصصا .. فبعض"المرضى"يخافون كل شيء. وبعضهم يخاف شيئًا معينا كالذي يخاف الوحدة. أو الظلام. أو الموت. أو الفقر. أ و المرض. أو الحوادث .. أو الصرصار! وليس من غرضنا في هذا البحث أن نشرح الأسباب الشعورية أو اللاشعورية التي تحدث هذه الانحرافات. فذلك مبحث متخصص، ونحن هنا بصدد نظرية عامة عن النفس الإنسانية. فبحسنا هنا أن نصف هذه الظاهرة، وأن نذكر أنه لا بد لها من أسباب تحدثها [فالأصل هو الاستواء، والانحراف لا بد له من سبب] سواء كانت هذه الأسباب استعدادًا وراثيًا أو اكتسابًا في أثناء الطفولة بصفة خاصة. كما تذكر كذلك أن التربية السليمة -في فترة الطفولة خاصة- هي الموكلة بتقويم هذا الاعوجاج، وتوجيه طاقة الخوف الفطرية في مسارها السليم [1] .
وقد تحدثنا عن الخوف حين ينحرف بالزيادة عن قدره الطبيعي. وقد ينحرف كذلك بالنقصان! وقد يبدو لأول وهلة أن نقصان الخوف فضيلة جميلة لا عيب فيها ولا داعي لعلاجها، بل هي شيء يسعى الإنسان لأن يناله!
وليس الأمر كذلك! فالشخص الذي ينقص الخوف في نفسه عن مقداره الطبيعي قد يبدو جريئا مقداما. ولكنه في الحقيقة متبجح معتد أثيم .. لأنه لا يخاف! لا يخاف الله، ولا يخاف الحق، ولا يخاف العواقب .. وحتى إذا لم ينحرف في طريق الشر والإيذاء، فقد يخاطر بلا مبالاة فيتعرض للعطب والهلاك.
ولا يوجد بطبيعة الحال مقياس دقيق للسواء والانحراف .. وقد يكون الإقدام في موقف ضرورة لازمة ويكون في موقف آخر مخاطرة غير متعلقة .. ولا يمكن الحكم على إنسان بأنه سوي أو منحرف بموقف واحد أو تصرف واحد، وإنما يكون الحكم بمجموعة من المواقف ومجموعة من التصرفات.
والرجاء من الجانب الآخر .. مهمته موازنة الخوف من ناحية، وإغراء البشرية بالتقدم والإنتاج والبناء من ناحية أخرى. وهو في حالته السوية يؤدي دورًا رئيسيًا في حياة الإنسان. ولكنه عرضة للانحراف بالنقص والزيادة كالخوف سواء.
حين ينقص الرجاء عن معدله الطبيعي يصبح الشخص متشائمًا والحياة في عينيه قائمة. والتشاؤم مرض يصيب النفس فتنكمش وتنحسر عن مجالات نشاطها الحيوي، فضلا عن أنه شعور مؤذ يفسد متاع الحياة ويفوّت على النفس طيباتها، فضلا عن الأسى والحزن والألم الذي يصيب النفوس المتشائمة، ويكيف كل تصرف وكل شعور.
وحين يزيد عن معدله الطبيعي يصبح خيالا أجوف وأحلاما فارغة! وهو مرض كذلك وإن كان مرضًا براقا في ظاهره، كالذي يتورد خداء نتيجة الحمى لا من السلامة والنشاط!
والمصابون بالتفاؤل الزائد عن الحد ينفقون حياتهم في أوهام لا تعود عليهم بطائل، وتبدد نشاطهم الحيوي في غير إنتاج نافع. كإناء البخار المثقوب، يتسرب منه البخار أولا بأول بدلا من أن يتحول إلى طاقة محركة في عالم الواقع.
وهذا غير ما يصيب هذا الخط من انحرافات في"نوع"الرجاء. فقد يرجو باطلا، وقد يتعلق بأمر لا يصيبه منها إلا الضرر والبوار. وفي الجملة هو اختلال يفقد التوازن ويبدد الطاقات.
تلك ألوان من الانحراف والشذوذ تصيب كل خط بمفرده من الخطين المتقابلين. ثم يوجد انحراف آخر حين لا يتوازن الخطان بالنسبة لبعضهما البعض، والمفروض فيهما في الحالة السوية أن يتوازنا ليعادل كل منهما الآخر. فإذا زاد الخوف على الرجاء، أو زاد الرجاء على الخوف حدث جنوح مرضيّ شبهناه من قبل بذي الكتف الواحدة الماثلة من اليمين أو من اليسار.
وكما قلنا من قبل لا يحكم على الإنسان بموقف واحد ولا تصرف واحد .. وإنما بمجموعة كاملة من المواقف والتصرفات.
(1) راجع كتاب"منهج التربية الإسلامية"فصل"خطوط متقابلة في النفس البشرية"بصفة خاصة.