فهرس الكتاب
والحب والكره هما الخطان التالين في النفس البشرية، اللذان تكاد مساحتهما تساوي مساحة الخوف والرجاء.
وهما عرضة لألوان شتى من الانحراف والشذوذ.
وقد تحدث فرويد بتفصيل شديد عن هذه الانحرافات لأنه اعتبرهما الخطين الرئيسيين في النفس البشرية بل الخطين الوحيدين، ومن هنا صب فيهما كل انحرافات البشرية!
والواقع -بصرف النظر عن فرويد -أن انحرافاتهما شديدة وكثيرة. ومع أن مساحتهما في النفس ليست أكبر من مساخة الخوف والرجاء ولا مقدمة عليهما كما ظن فرويد، إلا أن هذه المساحة مملوءة بخيوط أدق ومن ثم فهي أكثر!
الانحراف الأكبر في الحب أن يتوجه إلى شيء أو شخص لا يستحق الحب! والانحراف الثاني أن يتوجه إلى شيء أو شخص -ولو كان مستحقًا للحب- بقدر أكبر مما ينبغي! وكلا الأمرين يفقد الإنسان التوازن المطلوب.
حين يتوجه الإنسان بطاقة الحب إلى شخص أو شيء أو فكرة أو نظام أو موقف أو تصرف لا يستحق الحب، فهو ينحرف وراء هذا الحب في اتجاه باطل، ولا يكون مستخدمًا لطاقة الحب الفطرية في مجالها الصحيح. وعلى قدر ما يكون الفساد في ذلك الشخص أو الشيء أو الفكرة أو النظام أو الموقف أو التصرف تكون خطورة الانحراف أو خطورة الشذوذ.
وحين يتوجه الإنسان إلى شيء من ذلك كله توجهًا عنيفًا يفقده ضوابطه، فلا يملك نفسه، ولا يملك رشده، ولا يعرف أين ينبغي أن يقف ولا متى ينبغي أن يرجع .. فهذا اختلال ظاهر ملموس.
ولا نريد أن نخوض في ألوان الحب الفاسد ولا مظاهر الانحراف فيه، فهي ظاهرة. ولكنا نشير فقط إلى أن فرويد -الذي تخصص في الكتابة عن شذوذات الحب- لم يجعل في حسابه أن حب القيم الفاسدة لون من الانحراف .. لأنه لا يُدْخِل القيم في حسابه! ّ ولم يجعل في حسابه أن مشاعر الحب المحرمة لون من الشذوذ، لأنه يعتبر"النظافة"وحدها هي الشذوذ! [قال فرويد صراحة في كتاب Three Contributions ص82 إن التسامي لون من الشذوذ!!] ومن ثم يضيع كثير من الجهد العلمي الذي بذله فرويد هباء بسبب ما في نظريته من انحراف وشذوذ!
والكره صنو الحب في انحرافاته وشذوذاته. فهو عرضة لانحرافين رئيسيين: التوجه إلى شخص أو شيء أو فكرة أو نظام أو موقف أو تصرف لا يستحق الكره [بل يستحق الحب] والتوجه إلى شيء من ذلك كله [ولو كان مستحقًا للكره حقًا] بدرجة من العنف تفقد الإنسان تعقّله واتزانه.
ومرة أخرى لا ينبغي الجري وراء فرويد في نظريته الخاطئة عن الكره [وقد شرحنا ذلك من قبل في الحديث عن الحب والكره في فصل الخطوط المتقابلة في النفس البشرية] ولا يجوز أن نصدق أسطورته القائلة بأن الإنسان يتوجه تلقائيًا بشعور الكره إلى كل شخص أو شيء يتوجه إليه بشعور الحب! [أسطورة الازدواج العاطفي Ambivilence] .
ثم يأتي الانحراف الآخر من زيادة نسبة أحد الخطين إلى الآخر، والمفروض فيهما أنهما متوازيان ومتعادلان.
فالشخص الذي تزيد فيه نسبة الحب عن الكره شخص لطيف حقًا، متسامح، ودود. وكل ذلك جميل في ظاهره. ولكنه حين يزيد عن مقداره شخص سلبي وغير واقعي. وغير منتج. فهو حين لا يكره الشر ولا يقاومه. ولا يكره الظلم والفساد. ولا يكره انحرافات الناس ولا يقوّمها .. فماذا تكون النتيجة؟! وما القيمة العملية لكل الصفاء الذي يصنعه الحب؟! وماذا صنعت الهندوكية على كل ما فيها من صفاء ومودة ولطف، في تحسين حال البشرية وإقامتها على منهج صحيح؟!
أما الشخص الذي تزيد فيه نسبة الكره فهو شخص حقود لا يحب الخير للناس لأنه لا يحب الناس. وهو شخص مريض لأنه"يفرز"إفرازًا زائدًا من إحدى"غدده النفسية"التي ينبغي أن يظل إفرازها في حدود المعدل المطلوب.