الصفحة 128 من 169

ولا ينبغي أن ننسى أن قدرًا من الحب والكره لا إرادة للإنسان فيه ولا حيلة! ولذلك لا يعتبر في دائرة الانحراف. ولكن المطلوب من الإنسان أن يستخدم فرامله الضابطة ليصبح هذا الحب أو الكره في نطاق المعقول [أحبب حبيبك هونًا ما .. وابغض عدوك هونا ما .. !] [1] ولا يعتبر في دائرة الانحراف على أي حال إلا القدر الزائد عن المعقول. والإنسان المتوازن -بحكم توازنه- يضبط هذه الانفعالات ويوجهها الوجهة الصحيحة بقدر ما يستطيع. ولكنه منحرف حين لا يحاول الوصول إلى هذا الاتزان.

الحسية والمعنوية .. والواقع والخيال .. والإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بالغيب .. تلك الأزواج الثلاثة المتداخلة، وإن كانت -كما بينا من قبل- متميزة ومستقلة، يصيبها الانحراف والشذوذ كما يصيب بقية الخطوط.

حين تزيد الحسية عن معدلها يغرق الإنسان في المتاع الحسي ويصبح كل همه وكل مشتهاه.

وحين تزيد المعنوية عن معدلها ينسى الإنسان متاعه الحسي ويصبح كل همه القيم والمعنويات. ولا شك أنه يبدو لنا -لأول وهلة- أن هذا شيء جميل لا عيب فيه. ولكنا لو تدبرنا الأمر لم نجده كذلك.

"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها! فقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني" [2] .

وتدبر هذه الواقعة يعطينا مفتاح الموقف: ليس الاهتمام بالمعنويات أمرًا مذمومًا في ذاته. بل هو طلبة الإنسانية الراشدة الجديرة بالخلافة عن الله. ولكن الأمور لا تستقيم حين يهمل الإنسان عالم الحس ويترهبن. فأبسط النتائج لذلك توقف عملية الحياة وتوقف الإنتاج! وإنما نحمد من إنسان معين أن يغلّب معنوياته على حسياته ليضرب المثل للناس. ولكنا لا نحمد له أن يبالغ في ذلك كما صنع أولئك الرهط الثلاثة، لأنه يعطي مثلًا سيئًا لا ينفع الحياة. [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا] [3] .

والواقع والخيال طاقتان فطريتان متوازنتان .. وضروريتان.

فإذا زادت الواقعية فذلك انحراف .. وهو انحراف شديد الظهور في هذا الجيل من البشرية الذي يعيش اليوم في ظل التقدم العلمي وفتوحاته الباهرة.

وفي غير هذا الكتاب تحدثنا عن هذه الواقعية المريضة التي أصابت الغرب في"نهضته"الحديثة [4] . ولن نعيد هنا ما كتبناه هناك. وإنما نتحدث عن هذا المرض كظاهرة نفسية.

الشخص الذي ينهمك في عالم"الواقع"ينتج فيه ولا شك إنتاجًا ظاهرًا، ويزداد قوة في حساب المادة. ولكنه يضيّق أفقه إلى أقصى مدى حين يحصر اهتمامه في هذا الواقع الضيق المحصور. ومهما يكن من إضافته للحياة بهذه الواقعية فهو ينقص منها بتضييق آفاقها. والشعب الأمريكي مثل بارز لهذا الانحراف، فهو -من شدة حياته في دائرة الواقع- قد صار يشبه الآلة في انتظامها ودقتها .. وعدم إحساسها.

(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) عن أنس رضي الله عنه.

(3) سورة القصص [77] .

(4) > كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام"و"معركة التقاليد"و"منهج الدين الإسلامي"بصفة خاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت