الصفحة 129 من 169

والأزمة التي تمر بها الفنون في العصر الحديث أزمة ذات دلالة. فهي تدل على نضوب جانب من جوانب الإنسان وجفافه، وهي ظاهرة خطيرة حين تصل إلى مداها، لأنها تقف النمو البشري وتحصره في محيط الآلة ومحيط الحيوان.

وعلى كل"العلم"الذي تعلمه أمريكا وروسيا، وتبدو ظواهره في سباق الفضاء الجبار، فإن"إنسانية"هذين الشعبين في طريقها إلى الهبوط الدائم بسبب إغراقها في الواقع المحصور.

والخيال هو الذي يوازن الواقع ويوسع آفاقه. وهو -كما بينا من قبل- عنصر ضروري للحياة. فلن يحسّن الإنسان نظمه وأفكاره ومشاعره إلا إذا"تخيل"ما هو خير منها. والإحساس بالجمال وتصور الكمال- وهما دافعان أصيلان من دوافع البشرية إلى التقدم -لا يتمان إلا عن طريق القدرة على التخيل والإبداع. وتلك مهمة الخيال في حياة البشرية ..

ولكن الزيادة في نسبة الخيال تضر ولا تنفع .. فالشخص أو الأمة اللذان يعيشان في الخيال لا ينتجان شيئًا لعالم الواقع، ويبددان طاقتهما في لا شيء.

والشخص الذي يعيش في أوهام دائمة من الخيال شخص مريض .. وعرضة لكثير من ألوان الشذوذ، الجنسي بصفة خاصة، وعرضة للانطواء والسلبية. وليس من الضروري أن يصاب بكل هذه الانحرافات، ولكنه كما نقول عرضة لها، لأنه لا يوجه طاقته نحو الواقع ليوازن خيالاته، ولأنه يتعود أن يحقق وجوده -نظريًا- في عالم الخيال فيصاب بأحلام اليقظة، وتصبح تلك بديلا من النشاط الواقعي المثمر .. وهو في كل حالاته شخص غير موزون.

وقريب من ذلك -وليس الشيء ذاته- الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بالغيب.

فالذي يحصر عالمه فيما تدركه الحواس فحسب، يلغي من حسابه الله والعقيدة وما يتصل بها من قيم ونظم ومشاعر وأفكار، وهذا الانحراف الخطر هو الذي يستولي على الغرب في وقته الحاضر، ويتسبب عنه كل ما يعانيه الغرب من اختلالات في النظم والعقائد والأفكار.

إن الإيمان بالله واليوم الآخر -وهو إيمان بالغيب- يعدّل كثيرًا من ألوان السلوك البشري، ويوازن كثيرًا من الطاقات والتصرفات. أما إنكار الله واليوم الآخر فأقل ما ينتج عنه هذه المظالم التي تملأ وجه الأرض، والتي يرتكبها من يرتكبها لأنه ليس في حسابه أنه سيلقى الله. وهذا التكالب البشع على متاع الأرض -وما ينتج عنه من انحرافات- هو تكالب العامل الأساسي فيه عدم إيمان الناس بوجود يوم آخر خالد النعيم، يعوض الإنسان عن متاعه الزائل الذي لا يشبع منه بنعيم خالد لا يزول. ولو آمن الناس بالله واليوم الآخر لانصلح حال البشرية وزال ما تعانيه اليوم من القلق والاضطراب النفسي والعصبي الذي لا مثيل له في كل تاريخ البشرية.

والغرب بطبيعة الحال لا يسمي هذا مرضًا، ولا انحرافًا ولا شذوذًا .. حتى وهو يرى ما ينشأ عنه من أمراض وانحرافات وشذوذات!

ولكن الإيمان بالغيب ينبغي أن يظل في حدود معدله المطلوب. وإلا فإن زيادته عن المعدل السوي تصيب الإنسان بألوان أخرى من الانحراف.

الإيمان الزائد بالغيب -على حساب الإيمان بما تدركه الحواس- يعرض الإنسان لإهمال عقله وفكره، والنتائج العملية التي يجنيها من إعمال عقله وفكره.

يعرضه لإهمال"العلم"النظري والتجريبي القائم كله على ما تدركه الحواس، فيفسر الحياة كلها بعوامل غيبية لا سبيل إلى السيطرة عليها ولا التحكم فيها [إلا بأعمال السحر .. وهذا منشأ الخرافة] .

ويعرضه كذلك للوسواس .. فما دام كل شيء نابعا مما وراء الحس [ولا شيء في عالم الحس] فلا يقين بشيء، وكل شيء عرضة للتغير بلا سبب ظاهر ولا مفهوم، وكل حركة وكل سانحة قد تكون رمزا لشيء مجهول .. [وهذا منشأ الوسواس]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت