الصفحة 18 من 169

"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ،"

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ""

"صدق الله العظيم"

أبرز ما في الكيان البشري أنه كيان مزدوج الطبيعة.

وهو بهذا الازدواج كائن متفرد في كل ما نعلم من مخلوقات هذا الكون، التي تمثل طبيعة واحدة ذات وجهة واحدة.

فالحيوان من جانب والملك من جانب -وهما المخلوقان اللذان تجمعهما بالإنسان صلات- كلاهما ذو طبيعة واحدة ووجهة واحدة.

الحيوان -حتى أعلى درجاته التي تشابه الإنسان في تركيبه الجثماني- مخلوق ذو طبيعة واحدة، تتحدد بحدود الجسد والغرائز والتصرفات الغريزية. جسمه هو مصدر طاقته. وغرائزه هي الموجّه له. وتصرفاته الغريزية هي عالمه بأكمله.

يأكل ويشرب ويؤدي عملية الجنس بدافع جسدي بحت، لا إدراك فيه لهدف، ولا تصرف فيه في وسيلة.

يأكل حين يدفعه الجوع. ويمسك حين تقرر له الغريزة حد الاكتفاء. وينشط نشاطه الجنسي في موسم معين محدد، لا يختار هو وقته، ولا يحدد هدفه ولا يدركه، ولا يختار فيه سلوكًا معينًا غير ما توحيه له غريزته. ثم يكف عن هذا النشاط جملة في موعد كذلك محدد. لا يختاره هو ولا يدرك سره، ولا يملك كذلك مخالفته.

وكذلك كل"تصرف"من تصرفاته. ليس تصرفًا ذاتيًا نابعًا من إدراك أو إرادة. وإنما هو تلبية مباشرة لدفعة لا يملك الحيوان مقاومتها، ولا يفكر في مقاومتها كذلك. فهو بطبيعة تكوينه مستسلم لكل ما تمليه الغريزة عليه.

إنه مخلوق ذو طبيعة واحدة، تعمل في اتجاه الجسم.

والمَلَك -من وصفه الذي نعرفه به وإن كنا لا نراه- مخلوق ذو طبيعة واحدة كذلك وذو اتجاه واحد. مخلوق يعيش في نطاق روحه ويطيع توجيهاتها بلا إرادة ذاتية ولا تصرف ذاتي. فالملائكة مخلوقات مفطورة على الطاعة المطلقة:"لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [1] . وهي وإن لم يكن لها غرائز جسمية لأنها غير ذات أجسام مادية، فإن لها"غرائز روحية"تعمل بوحيها في كل أمر دون تفكير أو تصرف أو اختيار.

أي أنها ذات طبيعة واحدة تعمل في اتجاه الروح.

والإنسان وحده -فيما نعلم من الكائنات- هو الكائن المزدوج الطبيعية القادر على أكثر من اتجاه.

وهذا الازدواج هو طابع كيانه كله. وهو متغلغل في كل أعماقه. فلا يوجد عمل ولا شعور ولا فكر ولا تصرف لا تبدو فيه هذه الظاهرة الفذة المتميزة. وسنستعرض في الفصول التالية كثيرًا من مظاهر هذا الازدواج وأثرها في حياة الإنسان وتصرفاته. ولكنا نبدأ هنا بأول مظاهره وأوضحها، وهو حقيقة الجسم والروح، التي قد تكون هي الأصل الذي ينشأ عنه كل ما في طبيعته من ازدواج.

"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" [2] .

الإنسان قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله.

قبضة من طين الأرض تتمثل في حقيقة الجسد: عضلاته ووشائجه وأعضائه وأحشائه.

والعلم يقول إن جسم الإنسان مكون من ذات العناصر التي يتكون منها طين الأرض: الأكسجين والإيدروجين والكربون والحديد والنحاس والكلسيوم والزرنيخ والصوديوم والبوتاسيوم والمغنسيوم .. الخ .. الخ.

وتتمثل كذلك في مطالب الجسد وألوان نشاطه. فالعلم يقول إن الجوع والعطش أمران يرجعان إلى التركيب البيولوجي للجسم. وكذلك النشاط الجنسي وأنواع النشاط الجسمي الأخرى التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان من حيث الدافع، وإن لم يتماثلا في الصورة التي يتخذها النشاط، ولا الغاية التي يصل إليها.

(1) سورة التحريم [6] .

(2) سورة ص [71 - 72] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت