و"الشهوات"كلها، أو الدوافع الفطرية، أو القوة الحيوية للإنسان، هي نشاط جثماني، أو نشاط قائم على قاعدة جسمية، بحيث تتعطل أو تزول لو أزيل العضو الذي يقوم بها أو الغدة التي تبعث نشاطها.
ونفخة من روح الله تتمثل في الجانب الروحي للإنسان. تتمثل في الوعي والإدراك والإرادة. تتمثل في كل"القيم"والمعنويات التي يمارسها الإنسان.
فالخير والبر والرحمة والتعاون والإخاء والمودة والحب والصدق والعدل والإيمان بالله والإيمان بالمثل العليا والعمل على تحقيقها في واقع الحياة .. كل ذلك نشاط روحي، أو نشاط قائم على قاعدة روحية. وهو -مثلها- أمر معنوي لا تدركه الحواس ولكن تدرك آثاره الظاهرة في الواقع المحسوس.
وهذان اللونان من النشاط البشري حقيقة واضحة مشهودة.
والحقيقة الجسدية لا تحتاج إلى توكيد. فهي ظاهرة أمامنا نراها ونلمسها، ولا نتعب في تحديد حدودها وقياس أبعادها وطاقاتها. وإن كانت العلوم التي تبحث فيها تقر بعجزها الكامل عن استكناه كنهها الحقيقي، وتكتفي بوصف مظاهرها ورسم أبعادها.
وإلا فأي سر يمنح الخلية الحياة بادئ ذي بدء، فتتحول من مادة ميتة إلى خلية حية؟
وأي سر يجعل تلك الحياة الممنوحة للخلية تتخذ نشاطًا معينًا منظما منسقًا مضبوطًا؟
وأي سر يجعل مجموعة من الخلايا الخية تتخصص لتكون الأنف، أو الفم، أو العين، أو القلب، أو المخ أو الذراع أو الساق .. إلخ. وهي كلها في الأصل متشابهة ومتماثلة؟
وأي سر يجعل تلك المجموعة التي كونت الأنف أو الفم أو العين .. تأخذ شكلا معينا ذا شبه معين قريب أو بعيد من الآباء والجدود؟
وأي سر يجعل العين -تلك المجموعة من الخلايا- ترى، والأنف يشم والأذن تسمع والجلد يحس والعقل يفكر؟
ومئات من الأسرار وألوف .. كلها مغلف بستار الغيب لا يصل"العلم"منها لغير المظاهر والسطوح!
أما الحقيقة الروحية فهي خفية. نعم. ولكن أي شيء في الإنسان ليس بالخفي؟ إنها مجهولة الكنه، ولكن .. أيزيد جهلنا بها عن جهلنا بسر الحياة في الخلية الحية، وسر النمو، وسر التخصص، وسر التشكل، وسر قيام الأعضاء بوظائفها المعقدة الشديدة التعقيد؟
نعم إنها غير ظاهرة، لا نستطيع تحديد حدودها ولا قياس أبعادها. ولكنا نرى آثارها وندركها. نراها متمثلة أحيانًا في وقائع ملموسة وأحيانًا في رغبات وأشواق. ومن ثم لا نستطيع أن نلغي من حسابنا وجود كيان معنوي للإنسان، نسميه"الروح"اصطلاحا، أو نسميه بأي اسم آخر. ولكنا نلتقي عند مفهوم معين واضح الحدود والسمات.
إن كان معنى من المعاني التي تعبر عن القيم العليا .. عن الحق والخير والجمال والحرية والإخاء والحب .. إلخ لهي دليل على هذا الكيان المعنوي للإنسان. وليس من الضروري أن يمارس الناس كلهم هذه المعاني في كل وقت. فيكفي أن يمارسها بعضهم في أية لحظة لتكون واقعًا بشريًا موجودًا في عالم الحقيقة. بل يكفي أن توجد في اللغة البشرية (واللغة ذاتها من المعنويات التي اختص بها الإنسان) لكي يثبت ذلك وجودها الواقعي. فحين توجد في اللغة البشرية كلمة"الحب"أو"العدل"أو"الجمال"فيستوي أن تكون هذه القيم وقائع محسوسة أو حلما يشتاق البشر إلى تحقيقه .. يستوي هذا وذاك في إثبات النشاط المعنوي للإنسان .. فالرغبة في هذه القيم هي ذاتها نشاط معنوي واقعي، سواء تحققت في عالم الحس أو لم تتحقق. كما أن الرغبة في الطعام مثلا دليل على وجود نشاط معين داخل الجسم، سواء أدت إلى تناول الطعام فعلا أم لم تؤد إليه.