غير أننا نقرر أن هذه المعاني لم توجد في قاموس البشرية إلا لأنها وجدت بالفعل -على درجة ما- في واقع البشرية. فلو لم يوجد شخص يتعاون مع شخص آخر في سبيل هدف مشترك لما وجدت كلمة"التعاون"ومشتقاتها في اللغة. ولو لم يوجد شخص صادق أو عادل أو رحيم .. ما وجد في القاموس البشري ما يدل على هذه الصفات. والأفراد يتفاوتون بطبيعة الحال في مدى وجود هذه الصفات في كيانهم، ولكن لا يوجد في الحالة السوية شخص لا رصيد له منها البتة بحيث يعجز عن فهم مدلولها اللغوي.
وإذا كان للطاقات الجسمية مقاييس محدودة تقاس بها، قوة وضعفا، فللروح كذلك -أو الطاقة المعنوية- مقاييس تقاس بها، ولكنها -مثلها- مقاييس معنوية. فهناك في أذهاننا صورة للعدل والرحمة والبر والتعاون .. إلخ. تكونت بصورة ما. وبمقتضى هذه الصورة نقيس أعمال الناس ونعطيها درجة من القوة أو الضعف.
والذي يهمنا على أي حال في هذا التمهيد أن نقرر وجود هذين اللونين من النشاط في كيان الإنسان، كمظهر من مظاهر الازدواج في طبيعته، وأن هذا الازدواج خصيصة تفرد بها الإنسان.
ولكن مجرد وجود هذا الازدواج لا يعطي صورة صحيحة عن الكيان البشري المتفرد بين جميع المخلوقات. فهناك مظهر آخر لهذا الكيان، تنبني عليه في الحقيقة كل حياة الإنسان.
إن هذا الكيان -مع ازدواجه- ليس مكونًا من عنصرين منفصلين، يعمل كل منهما وحده في اتجاه.
إنه ليس جسما وروحا منفصلين.
"فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ...".
إن هذه النفخة العلوية التي أعطت الإنسان روحه -وهي قبسة من روح الله- لم تظل عنصرًا منفصلا عن الكيان المسوى من الطين، ولم تتحيز في حيز معين منه. وإنما سرت"فيه". فيه كله من أوله إلى آخره، وشملت كل كيانه، فأصبح كيانه جسميًا روحيًا في ذات الوقت. لا ينفصل فيه عنصر عن عنصر، ولا يستقل فيه كيان عن كيان.
إنه لم يعد طينًا بحتًا .. ولا يمكن أن يعود كذلك.
ولا هو أيضًا روح بحت .. و يمكن أن يكون.
فالعنصران مختلطان ممتزجان مترابطان .. يتكون منهما كيان موحد مختلط الصفات، أو مزودج الصفات.
وتلك حقيقة كبرى في الكيان البشري، تنبني عليها كل أعمال الإنسان ومشاعره وتصرفاته في الحياة.
وقد انبنى عليها -باذئ ذي بدء- أن الإنسان -في حالته السوية- يؤدي نشاطه الجثماني على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان. ويؤدي نشاطه الروحاني على طريقة الإنسان كذلك لا على طريقة الملائكة.
أي أنه يؤدي كلا نشاطيه بكيانه المزدوج الموحد، لا بأي من عنصريه منفصلا عن الآخر ومستقلا عنه.
الإنسان يأكل .. وتلك عملية مشتركة بينه وبين الحيوان. عملية يقوم بها الجهاز الجثماني، وتحكمها تفاعلات الكيمياء وعناصر الطين.
ولكن الإنسان لا يأكل على الطريقة الحيوانية.
ولا ينحصر الفارق في تعدد أنواع الطعام التي يسيغها الإنسان وتنوعها، بينما الحيوان لا يسيغ إلا نوعا محددًا من الطعام، تحدده الغريزة لكل نوع معين على حدة، فلا يتجاوزه ولا يتعداه .. وإنما تختلف كذلك"طريقة"الطعام و"أهدافه".
أبرز وجوه الاختلاف أن الإنسان"يختار"سلوكه نحو الطعام.