الصفحة 21 من 169

صحيح أنه مدفوع إليه بدفعة الغريزة. دفعة المواد التي تتفاعل داخل الجسم. وأنه مضطر اضطرارًا قاهرًا أن يستجيب لهذا الدافع. ومع ذلك فهو"يملك"أشياء كثيرة في أثناء الاستجابة لهذا الدافع القهري. يملك أن ينظم مواعيد لتناول الطعام يختارها بمحض إرادته (فردًا أو جماعة) . ويملك أن يمتنع باختياره عن الطعام فترة من الوقت تطول أو تقصر (كفترات الصيام أو الحمية. إلخ) . ويملك أساليب شتى في تناول الطعام يختار من بينها ما يروق له: يتناوله -باختياره- التهاما شرها كالحيوان، أو تناولا مهذبًا لطيفًا، أو تناولا متأنقا مبالغا فيه .. ويتناوله حراما أو حلالا. ويتناوله في عزلة أثِرَة أو في صحبة مُؤثِرَة. حسبما يتراءى له من"قيم"الحياة.

وإذن فهو يستجيب لنفس الدافع القهري الذي يدفع الحيوان لتناول الطعام. ولكنه -فيما بين الدافع والاستجابة- يعبر طريقا طويلًا مملوءًا"بالاختيارات".. نشأ من وجود الروح وامتزاجها بالطين وتلبسها به."فالإرادة"و"الاختيار"صفتان من صفات الروح، تتمثلان في صورتهما المطلقة في ذات الله سبحانه، الذي نفخ في الإنسان من روحه. وتتمثلان في صورتهما المحدودة المقيدة في الإنسان، بمقدار ما تطيق قبضة الطين أن تقبس من روح الله.

ويستجيب الإنسان لدافع الجنس .. وهو نفس الدافع العنيف الملح الذي يستجيب له الحيوان.

ولكنه لا يستجيب له على طريقة الحيوان.

وليست المسألة هنا كذلك محصورة في اتساع موسم النشاط الجنسي عند الإنسان حتى يصل إلى العالم كله، بينما يقتصر على موسم محدد عند الحيوان .. وإنما تختلف كذلك الطريقة والأهداف.

فكما أن الإنسان يختار سلوكه نحو الطعام، فهو كذلك يختار سلوكه نحو الجنس، ويملك نطاقًا واسعًا للاختيار.

فالنفس الإنسانية -بادئ ذي بدء- تتسع لدرجات مختلفة من مشاعر الجنس لا تتسع لها نفس الحيوان التي لا تعرف إلا صورة واحدة من صور الإحساس الجنسي، متكررة عند كل فرد، ومتكررة في كل فرد.

يعرف الإنسان درجات تختلف بين الشدة واللطف، بين اللهفة والتمهل، بين الغلظ والرقة، بين العتامة والصفاء. أدناها شبيه بالحيوان، وأعلاها صاف رائق جميل. درجات تبدأ عند الطرف الحيواني من الإنساني، فتغلب عليها حركة الجسد الفائرة المتلمظة؛ وتنتهي عند الطرف الملائكي من الإنسان، فتغلب عليها رقة الروح ونورانية الشعاع:

"هناك الشهوة العارمة التي تتمثل في الجسد الهائج والجوارح الظامئة، والعيون التي تطل منها الرغبة الهائجة."

"وهناك الشهوة الهادئة المتدبرة، التي تعد العدة في ترتيب وأناة، حتى تظفر بما تريد على مهل ودون استعجال."

"وهناك الأشواق الحارة الملتهبة التي تنبع من الجسد، ولكنها تمر في طريقها على القلب، فيصفيها من بعض ما بها من"العكار"ويعطيها قسطًا من"العاطفة"تمتزج بصيحة الجسد الملهوف."

"وهناك الأشواق الطائرة المرفرفة التي تنبع من القلب، ولكنها قد تمر في طريقها على الجسد، فيمنحها بعض لهيبه المحرق، وقد يخلط بها بعض العكار، ولكنها تظل محتفظة بكثير من الصفاء."

"وهناك إشراقة الروح الحالمة، قد صفيت من العكار كله، وصارت صفاء مطلقًا لا يعرف الجسد، وإشعاعة لا تعرف القيود. تعشق الجمال خالصًا حتى من الإطار الذي يُصبّ فيه!"

"وهناك ألوان أخرى لا تدركها الألفاظ، ولا يقدر عليها التعبير!" [1] .

(1) من كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت