ويختلف الناس بين هذين الطرفين البعيدين. بل يختلف الشخص الواحد من حالة إلى حالة في اللحظة الواحدة أو في اللحظات المتفرقة. ولكن يبقى بعد ذلك أن الجنس -في الحالة السوية- لا يمكن أن يخلو عند الإنسان من"مشاعر"نفسية مصاحبة لدفعة الجسم. وهذه المشاعر - قلّت أو كثرت- هي النتيجة لامتزاج الروح بالطين في كيان الإنسان.
وعلى ذلك يستجيب الإنسان لدفعة الجنس القاهرة، ولكنه -منذ البدء- لا يستجيب لها على طريقة الحيوان، الجسدية الخالصة، النابعة من الكيان الطيني وحده، والتفاعلات الكيميائية التي تحدث في ذلك الكيان.
ثم يملك الإنسان بعد ذلك اختيارات شتى في طريقة الاستحابة.
يملك أن يسرف وأن يخفف.
ويملك أن يشغل نفسه بالتفكير في شئون الجنس، أو ينصرف عن هذه المشغلة بأمور أخرى متصلة بكيانه الشامل المتكامل، المتعدد الجوانب المتعدد الأهداف.
ويملك أن يحيل مشاعر الجنس إلى حركة جسمية، يفرغ منها ويستريح، أو يحيلها إلى حركة نفسية وعاطفية، ينشئ بها فنونًا، وأفكارًا، ومشاعر، وسبحات، فتتسع رقعتها في نفسه، وفي الوقت ذاته تخف وتشف، وتخرج من كونها ضرورة تٌقْضى، إلى كونها جمالا يُحَسّ.
ويملك في النهاية أن يمنع نفسه منعًا من الاستجابة لهاتف الجنس، مهما ترتب على ذلك من مشقة وحرمان ..
هذا إلى اختلاف السلوك من فرد إلى فرد، وإن اشتركت الأهداف وتشابهت الاتجاهات.
وهكذا يسير الإنسان بين الدفعة والاستجابة في طريق طويل مملوء بالاختيارات، أنشأه في كيانه تلبس الروح بقبضة الطين، وعدم انفراد الطين بالتصرف في أمر من الأمور.
وهكذا جميع الدوافع القاهرة المشتركة بين الإنسان والحيوان، يتعرض الإنسان لضغطها عليه بمثل ما يتعرض الحيوان، ولكنه يختلف عنه في طريقة الاستجابة، اختلافا توجهه"الإرادة"ويعمل فيه"الاختيار"وهما صفتان مميزتان من صفات الروح.
ذلك من الطرف الحيواني للإنسان.
والأمر من الطرف الملائكي بالمثل.
يحس الإنسان بأشواق عليا، وتنطلق روحه مرفرفة خفيفة مشعة رائقة.
يحس برغبة في الاتصال بالله، ويتعبد إليه راغبًا في محبته ساعيًا إلى رضاه. وقد تستغرقه العبادة في لحظة فينسى نفسه. ينسى أنه على الأرض، وأنه جسم ذو عضلات ووشائج وأعصاب، وذو مطالب لا يطول سكوتها عن الإلحاح، لأنه لا يحس في تلك اللحظة بحدود هذا الجسم، ولا يحس بما يفصل بينه وبين الله.
ويحس برغبة في الاتصال بالكون، وبروح يستجلى جمال الطبيعة، ويتنقل من زهرة جميلة إلى جدول، إلى جبل شامخ، إلى سحاب مسخر بين السماء والأرض. وقد يستغرقه الإعجاب بالطبيعة لحظة، فينسى أنه كائن ذو"حيز"محدود محسوس، لأنه لا يحس في تلك اللحظة بما يفصل هذا الحيز المحدود عن الكون الواسع الفسيح.
ويحس برغبة في الاتصال بغيره من بني الإنسان. يتعاون معهم ويتوادّ. ويقيم معهم موازين العدل والحق والإخاء والمساواة .. وقد تستغرقه هذه الرغبة لحظة فينسى كيانه الفردي، وما يحمله هذا الكيان من مطالب ذاتية ورغبات، لأنه لا يحس في تلك اللحظة فاصلا بينه وبين غيره من الأفراد.
ويحس رغبة في الاتصال بفرد من الجنس الآخر .. في غير نطاق الجسد .. في عاطفة شفيفة لا تتلامس فيها الأجسام، وإنما تنتقل العواطف من قلب إلى قلب، ومن كيان إلى كيان. وقد تستغرقه رفعة الحب لحظة فينسى كيان جسده وما يحمل من كيماويات وتفاعلات .. لأنه لا يحس في تلك اللحظة بحاجز الجسد يحجب روحه عن الانطلاق ..
كل تلك لحظات من لحظات الروح .. تسبح فيها سبحات طليقة من القيود.
وتلتقي تلك اللحظات بنورانية الأملاك عند الطرف الملائكي للإنسان.
ولكنها مع ذلك لا تقلب الإنسان إلى مَلَك، حتى وهو يمارس تلك الانطلاقات.