أول فارق بينه وبين ملك أن هذه اللحظات من جانب الإنسان"اختيار".. بينما هي في ملك جزء من طبيعته التي لا يملك الحيد عنها:"لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [1] ."يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ" [2] .
وإلى جانب الاختيار هي مسالك متباينة، يختلف فيها فرد عن فرد، ويختلف الفرد الواحد من لحظة إلى لحظة بين الإقبال والإعراض.
ولكن أبرز الفوارق أن الإنسان لا يصبر على هذه اللحظات أكثر من لحظات! ثم يعود إلى واقع الأرض المحدود المحسوس، بحكم الضرورات القاهرة التي تتوالى على حسه من جوع وعطش وإفرازات ومطالب ورغبات .. ومهما حاول الإنسان أن يتسامى بروحه على الضرورة، فإلى فترة محدودة من الوقت -تطول أو تقصر- ثم يعود. ولا محيص له من أن يعود ..
وذلك أثر من آثار امتزاج الجسد بالروح، وعدم انفصاله عنها، فلا يمكن أن تنطلق انطلاقًا كاملا وهي مرتبطة في الأرض بقبضة الطين.
وهكذا لا يصدر عن الإنسان شيء في أية لحظة يكون فيه مماثلا تمامًا للحيوان أو مماثلا للملك. وإنما هو في كل حالاته إنسان، يتصرف على طريقة الإنسان. وذلك أثر من آثار امتزاج الطين والروح في كيانه بحيث لا ينفصلان.
وصحيح أن الإنسان"يجنح"بأحد جانبيه في لحظة من اللحظات ..
يجنح تارة بجسده في دفعات الحس الغليظة، ويجنح بروحه في لحظة الإشراق.
لحظات الضرورة القاهرة جنوح بجانب الجسد .. فالإنسان وهو يقضي ضروراته"البيولوجية": وهو يفرز إفرازاته أو ينهمك في حركات الجنس، يكون الجانب الجسدي هو المسيطر على نشاطه وحركاته، ويكون هو الجانب البارز من الكيان.
وكذلك حين يهتاج الإنسان فيغضب ويبطش .. أو حين يستجيب لنزعة من نزعاته الفطرية بعد فترة من التعطش والحرمان ..
وكل متاع حسي هو نشاط يغلب عليه عنصر الجسد، ويستجيب لقبضة الطين.
ولحظات العزوف عن متاع الحس، والانصراف عن مطالب الجسد، هي من الجانب الآخر جنوح بجانب الروح.
والإنسان يصنع هذا وذاك .. ففي طبيعته أن يجنح أحيانًا هنا ويجنح أحيانًا هناك. وذلك مظهر من مظاهر الازدواج في تكوينه الأصيل.
ولكن علينا أن نلاحظ في ذلك ثلاثة أمور:
أولا: أنه في كلتا حالتيه -كما رأينا- إنسان. فما دام في حالته السوية -أي بريئًا من الخلل النفسي- فهو يمارس كل أنواع النشاط بكيانه المجتمع المترابط، حتى ولو غلب جانب من جوانبه على جانب آخر في لحظة من اللحظات. وفرق بين أن يبرز أحد الجوانب، وبين أن ينفصل ويعمل مستقلا عن بقية الكيان.
ثانيًا: أن هذا الجنوح -في الحالة السوية- مؤقت لا يدوم. فالإنسان ينغمس في نشاط الجسد ساعة، ثم يعود إلى نشاطه الروحي أو المعنوي ساعة. ويتداول هذه الساعات على الدوام. فلا يظل جانحًا بجانب واحد إلا في حالات الاختلال.
ثالثاُ: أن هذا التداول الدائم بين نشاط الجسم ونشاط الروح، يساعد الإنسان على التوازن في نقطة الوسط التي يلتقي فيها الجسم والروح على استواء. فهو كالذي يسير على عارض دقيق، يميل مرة هنا ومرة هناك لكي يحفظ توازنه في كل مرة، ولا يمنعه الميل ها هنا وها هنا من الوصول إلى التوازن، بل قد يكون هو الذي يعاونه على الاتزان.
هذا الكيان الإنساني المتفرد، لا نصل إلى كل قراره في الحقيقة حين ندرك فقط أنه كيان مزدوج الطبيعة، ثم ندرك أن هناك امتزاجًا بين عنصريه المكوّنين له، يجعله وهو يجمع بين نشاط الملَك ونشاط الحيوان- يؤدي كلا منهما بطريقته الخاصة، طريقة الإنسان، التي تحمل مشابه من الملك ومشابه من الحيوان، ثم تفترق في النهاية عن الملك والحيوان.
(1) سورة التحريم [6] .
(2) سورة الأنبياء [20] .