الصفحة 24 من 169

ليس هذا هو القرار الأخير في كيان الإنسان!

وإنما نصل إلى قراره حين ندرك أنه في الحقيقة كيان موحد، برغم ما في طبيعته هذه من ازدواج.

كيان موحد. كل ما ينبعث عنه من نشاط فإنما يصدر عن كيانه الموحد المتشابك المعقد التركيب!

أعمال الإنسان كلها ذات ترابط وثيق وإن بدت منفصلة في بعض الأحيان.

النشاط المادي والنشاط المعنوي ..

النشاط العملي والنشاط التعبدي ..

النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والنشاط الفكري والروحي ..

النشاط الفردي والنشاط الجماعي ..

كل لون من ألوان النشاط هذه وما شابهها قد يبدو لأول وهلة نشاطًا منفصلا، متخصصًا، مستغرقًا، يقوم به الإنسان بجانب من جوانبه، ولا يتصل ببقية الجوانب أي اتصال ..

وذلك وهم ظاهري، كوهم تجزؤ الإنسان إلى جسم وروح منفصلين.

وَهْمٌ يغرى به بروز أحد هذه الجوانب في لحظة وتَوراِي الجوانب الأخرى مؤقتًا وراء هذا البروز.

فحين يعمل الإنسان بجسمه، ويستغرقه العمل، يخيل إليه أن هذا النشاط المادي منفصل ومستقل، وأنه في لحظة الاستغراق هذه لا صلة له بأي شيء معنوي في نفسه أو في الحياة.

وحين يستغرق الإنسان في لحظة تعبد، فقد يخيل إليه أن هذا النشاط الروحي منفصل عن بقية كيانه، وأنه في لحظة الاستغراق هذه لا صلة له بشيء مادي في نفسه أو في الحياة.

والحقيقة أن هذا الانفصال لا يمكن أن يحدث .. وإن توارت الصلات أو نسيها الإنسان.

فهو حين يعمل بيديه ويستغرقه العمل .. قد ينسى"لماذا"يعمل. ولكن نسياته للهدف في لحظة الاستغراق لا يعني أن الهدف غير موجود، ولا أنه -حين بدأ العمل أول مرة- لم يكن عالمًا بهذا الهدف ومدركا له. ومن ثم يرتبط العمل بالهدف في عالم الحقيقة، ويرتبط به كذلك في داخل نفسه، وإن نسي هو هذا الارتباط في بعض الأحيان. ويصبح العمل -المادي- أمرًا ماديًا ومعنويًا في ذات الوقت، محققًا لكيان الإنسان الموحد المجتمع المترابط، الذي لا يصدر فيه شيء عن الجسم وحده ولا عن الروح.

وحين يستغرق في لحظة عبادة .. فقد ينسى أثر هذه اللحظة في كيانه المادي -الجسمي- لأن جسمه في هذه اللحظة مستريح. والجسم مكّون بحيث لا يحس الإنسان بوجوده إلا إذا كان متألمًا موجوعًا. أما في حالته الطبيعية التي لا يتألم فيها من جوع أو عطش أو مرض أو تهيج، فالإنسان لا يحس بوجوده على وجه التحقيق! ومع ذلك فالجسم موجود! وهو يتلقى وقع هذه اللحظة الروحية ويتأثر به نشاطًا وخفة إذا كانت في حدود ما يَحْتَمِلُ. ويتأثر به ألمًا وإجهادًا وإنهاكا إذا كان فيها مشقة -ولو لم يتحرك الجسم من مكانه! - فالمشاعر ذاتها تجهد الجسم أحيانًا إذا زادت عن احتماله. وهكذا يرتبط الجسم بالروح في لحظة العبادة .. يرتبطان في عالم الحقيقة وفي داخل النفس، وإن سها الإنسان لحظة عن هذا الارتباط!

وقياسًا على هذين المثالين تجري الأمور كلها في حياة الإنسان.

فقد يخيل للإنسان وهو يضع خطة اقتصادية .. أو يخيل إليه وهو يشاهد النشاط الاقتصادي للبشر على الأرض .. أن"الاقتصاد"قوة منفصلة في كيان الإنسان، أو منفصلة عن كيان الإنسان. وأنه لا صلة لها بعالم الفكر وعالم الروح، ولا بالقيم الخلقية والمعنوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت