وهذا وهم مستحيل الحدوث. فالنشاط الاقتصادي تنشأ عنه علاقات معينة بين البشر بعضهم وبعض. علاقات مودة أو علاقات تنافس أو علاقات نضال وعداء. وفي كل حالة من هذه يرتبط النشاط الاقتصادي بالجانب"المعنوي"للإنسان، ويكيف مشاعره وأفكاره وطريقة تناوله لشئون الحياة. ومن جانب آخر تؤثر الرغبات والنوازع الفطرية، وما ينشأ عنها من أفكار وتصورات .. تؤثر في توجيه الاقتصاد وجهة معينة في أية لحظة من اللحظات."فالرغبة"في الاستحواذ والتملك. و"الرغبة"في البروز. و"الرغبة"في الترف. و"الرغبة"في القوة والسلطان. و"الرغبة"في استعباد الآخرين أو"الرغبة"في التعاون مع الآخرين .. وما شابهها من رغبات سوية أو منحرفة، صاعدة أو هابطة، هي التي ترسم التوجيه الاقتصادي للمجتمع، وتجريه في حدودها وعلى مستواها. ومن ثم لا ينفصل الاقتصاد عن القيم الروحية والخلقية والمعنوية في واقع الحياة وفي واقع النفس، وإن خيل للناس أحيانًا أنه قوة مستقلة عن كيان الإنسان.
وحين يتعبد الإنسان .. فهذه القيمة الروحية -البحتة في ظاهرها- لا تنفصل عن القيم الاجتاعية والاقتصادية والسياسية والمادية .. وكذلك حين ينفر من التعبد ويحيد عنه. ففي كلا الحالين يتأثر سلوكه العملي بهذه العبادة. فحين يكون صادقًا فيها فهو يتقن عمله المادي إرضاء لربه الذي يتعبد إليه، فيتأثر الإنتاج كمًّا ونوعًا بروح هذه العبادة. وكذلك تتأثر علاقات الاقتصاد. فالمؤمن المتعبد لا يحب أن يحرم غيره من ثمرة عمله، ولا أن يستأثر دونه بالكسب .. فتنشأ روح من التعاون والتكافل تسيّر الاقتصاد في طريق خاص. وحين لا يكون صادقًا في تعبده، أو يكون نافرًا منه حائدًا عنه، فلن يهتم بالإتقان -ما لم تكن هناك عوامل أخرى تدفعه إليه أو تجبره عليه- كالرغبة في الاستغلال أو الخوف من سلطان الدولة أو صاحب العمل- ولن تنبت في نفسه مشاعر التعاون والتكافل، ويسير الاقتصاد في خط السلب والنهب والاغتصاب الذي يأخذ صورة الإقطاع أو الرأسمالية .. أو يأخذ خط العبودية للدولة صاحبة السلطان.
وهكذا ترتبط القيمة الروحية بالقيم المادية والاجتماعية والسياسية بلا انفصال.
وحين ينهمك شخص فرد في نشاط جنسي حلال أو حرام في لحظة معينة، فقد يخيل إليه أن هذه اللحظة منفصلة عن كل"القيم"وأنها مجرد شهوة بدنية واستجابة لهذه الشهوة.
وقد مر بنا الحديث عن استحالة الانفصال بين الجسم والروح في العمل الجنسي -في الحالة السوية- ما دامت هناك"مشاعر"تربط بين الجنسين، وسع من دائرة العمل الجسدي.
ولكنا هنا نريد أن نعرض الأمر في نطاق أوسع .. فهذا النشاط الجنسي الفرد ليس فردًا في الحقيقة، ما دام واقع البشر أنهم يعيشون في مجتمع (وهذا المجتمع ذاته قد نشأ في الأصل نتيجة للنشاط الجنسي للأفراد!) فكل نشاط جنسي فرد، أيًّا كان نوعه يؤثر بالتالي في المجتمع، قيمه وأفكاره ومادياته ومعنوياته. ويتأثر به. فحين يحرص هذا الفرد على أن يكون نشاطه الجنسي حلالا -أي في الحدود المشروعة- فقد التزم منذ البدء"بقيمة"من القيم. وسواء تيقظ لهذه القيمة في كل مرة أو كمنت في حسه، فهي موجودة، وهو عالم بها ومدرك لها منذ أول الأمر. وحين لا يبالي بهذه القيمة، ويقوم بنشاط غير مشروع، فهنا كذلك لم ينفصل العمل عن القيمة المصاحبة له. وإنما الذي حدث أن هذا الشخص قد استبدل بالقيم العليا قيمًا أخرى هابطة، استمدها من رأيه الخاص أو من المجتمع من وحوله. وسواء نسي قيمه الهابطة في أية مرة أو تذكرها، فهي موجودة في حسه، وهو عالم بها ومدرك لها منذ البدء. وعلى ذلك يرتبط هذا العمل الجسمي الخالص بالقيمة المصاحبة له. ولا ينفصلان.