ثم ينشأ عن كل من الأمرين آثار حتمية في كيان المجتمع كله. فالمجتمع هو مجموع الأفراد. وحصيلة تصرفات الأفراد، وأفكارهم ومشاعرهم، والقيم التي يؤمنون بها، والأعمال التي يقومون بها، هي في النهاية التي ترسم خط سير المجتمع وتحدد منهاجه. فحين يحرص الأفراد على أن يكون نشاطهم الجنسي في دائرة النظافة المشروعة، فإن المجتمع يأخذ صورة معينة من الترابط والقوة وانطلاق الطاقة الحيوية نحو العمل الصاعدة النظيف. وحين ينغمسون في نشاط دنس، فإن صورة المجتمع تتحول إلى التحلل والتفكك، وتنطلق الطاقة الحيوية في سبيل الانحراف. وحين يكون الأفراد خليطًا من هؤلاء وهؤلاء، فالمجتمع سائر في طريق الضعف أو طريق القوة بمقدار ما يشير إليه اتجاه الأفراد: وهل هم يتزايدون في طريق النظافة أو يتزايدون في طريق الهبوط.
وهكذا يرتبط الفرد بالجماعة في لحظة الجنس العابرة، ارتباط العمل الجسمي بالقيم والأفكار.
ومن حيث استعرض الإنسان حقائق الحياة البشرية فهو لا بد واصل إلى هذه النتيجة في النهاية، وهي ارتباط النشاط البشري كله بعض ببعض، وتأثره كله بعضه ببعض.
وهذه الحقيقة الواقعة في الحياة هي انعكاس للحقيقة النفسية الداخلية العميقة .. وهي توحُّد الكيان البشري وترابطه، برغم ما فيه طبيعته من ازدواج.
الأمور كلها مرتبطة في داخل النفس. وإشعاعاتها في الحياة قد تصل إلى آماد وسعة وآفاق مترامية بعيدة جدا عن منبعها في داخل النفس. ولكنها تظل مترابطة متشابكة، لأنها صادرة عن كيان موحد مترابط متشابك معقد التركيب!
كل ما في الأمر أنه يحدث في لحظة من اللحظات بروز في جانب من الجوانب في حياة الإنسان:
يبرز العامل الاقتصادي في لحظة ..
ويبرز العامل الروحي في لحظة ..
ويبرز العامل الجنسي في لحظة ..
وذلك انعكاس طبيعي لبروز بعض الجوانب الإنسانية وتَواري بعضها الآخر. ولكن الحقائق الثلاث التي تصدق على عالم النفس تنعكس بدورها على الحياة البشرية: أن بروز هذا الجانب أو ذاك لا يفصله في أية لحظة عن بقية الجوانب. وأن النفس تتداول البروزات والانحسارات على الدوام، فلا تثبت على بروز واحد أو انحسار واحد إلا في حالات الاختلال.
وأن هذا التداول المستمر يساعد على إحداث التوازن في النفس .. وفي الحياة.
ومن ثم تبدو ضخامة الغلطة التي يرتكبها كل تفسير للنفس الإنسانية يأخذ في حسابه جانبا واحدا من كيان الإنسان.
التفسير الحيواني للإنسان .. والتفسير الروحاني الملائكي .. كلاهما مخطئ وبعيد عن الصواب.
التفسير الحيواني الذي يهمل جانب الروح، ويحاول أن يفسر الإنسان بجسده وحده: بلقمة الطعام ودفعة الجنس ومطالب المادة ..
والتفسير الروحاني الذي يهمل حقيقة الجسد ودلالتها، ويحاول أن يفسر الإنسان بروحه وحدها: بإشعاعة النور والشفافية والطلاقة والإشراق ..
كلاهما يتحدث عن كائن وهمي بالنسبة للإنسان!
وكلاهما يرتكب خطأ جسيما في حق الحياة وحق الإنسان!
وكل النظم التي لا تؤمن بوحدة النفس البشرية وامتزاج عنصريها الكبيرين تنحرف انحرافات خطيرة، تؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما كبت الجسد وإما كبت الروح. ثم تنعرج في انحرافات تفصيلية كثيرة تندرج تحت واحد من هذين الاختلالين الرئيسيين.
هناك نظم فصلت بين القيم الروحية والقيم المادية، فأهملت الجسد واحتقرته ونبذته، وكبتت نوازعه الفطرية وضروراته القاهرة، فلا تقضيها أصلا، أو تقضيها بتقزز ونفور. ونشأ من ذلك اختلال في داخل النفس واختلال في الحياة. فرانت السلبية على النفوس، وتأخر المجتمع وانحسر عن التقدم والانطلاق.