الصفحة 151 من 169

علم النفس يرسم الإنسان في صورة ثابتة كأنه ذو كيان ثابت لا يتغير على مدار القرون والأجيال .. فهل هذه حقيقة؟

هل إنسان الغابات كإنسان المراعي كإنسان الزراعة كإنسان الصناعة كإنسان العصر الذري والسفر بين الكواكب؟ وهل من المعقول أن ما ينطبق على واحد من هذه الأناسي ينطبق على الآخرين؟

وما قيمة التقدم والتطور إذن؟ وما دوره في حياة البشرية، إذا كانت البشرية ستظل ثابتة على ما هي عليه في كل التاريخ؟

هذا السؤال -أو هذا الاعتراض- تعترض به المذاهب الاجتماعية الحديثة التي تبنى مباحثها كلها على أساس فكرة التطور، وتصل -من زاوية نظرها الخاصة- إلى أنه لا وجود لشيء ثابت في حياة الإنسان، ومن ثم فلا توجد -في رأيها- أية مقاييس ثابتة يقاس بها نشاطه العقلي أو النفسي أو المادي .. ولا يصح أن ترسم له صورة ثابتة. وإنما ترسم صورة للوجه الموجود في هذه اللحظة -أو في هذا الجيل- وهي عرضة لأن تتبدل غدا، وتصبح غير ذات موضوع

هذه النظرة"الحديث"للموضوع متأثرة دون شك بنظرية دارون، الذي ألغى فكرة الثبات إطلاقا، والذي قال إن الأصل الذي نشأ عنه الإنسان بمفهومه الحالي مختلف أشد الاختلاف عن"الإنسان". وإن ما يسمى بالإنسان فعلا، قد تطور تطورات شتى حتى صار إلى ما هو عليه اليوم. وإنه بناء على ذلك لا ينبغي أن يُنظر إلى الإنسان الحالي بأكثر من أنه طور انتقالي في حياة هذا المخلوق، يمكن أت يتطور غدا إلى شيء آخر مختلف عنه.

وقد أخذت المذاهب الاجتماعية والاقتصادية الحديثة عن هذه النظرية بلا تحفظ .. لأنها أُخِذَت بها بادئ ذي بدء على أنها الكلمة النهائية في الموضوع! ولأن هذه المذاهب ولدت في عصر الانقلاب الصناعي في الغرب، الذي غيّر صورة الحياة تغييرا شاملا، وغيّر علاقات الناس بعضهم ببعض، كما غير تقاليدهم وأخلاقهم وعقائدهم في هزات عنيفة متوالية، خيّلت لمن يشاهدها من الظاهر أنها تنشئ الإنسان إنشاء من جديد، وتبت ما بينه وبين ماضيه، وتعده في الوقت ذاته لمستقبل قد يكون مقطوع الصلة بحاضره!

ثم كانت الفتوح العلمية المتوالية التي ساعدت من جانبها على تغيير صورة الحياة تغييرا شاملا، حتى خيّلت للناس أن"العلم يعيد إنشاء الحياة"كما يقولون، وأن الإنسان، صاحب هذا العلم وصانعه، لم يعد مقيدا بشيء .. ولا بذات نفسه! وأنه غدا سيصنع نفسه! [ Man Makes Himself عنوان كتاب من تأليف جوردون تشايلد V. Gordon Childe] وسيكيف دوافعه وأهدافه غير متقيد بما كان يسميه من قبل"الطبيعة"وينسب إليه الإبداع والخلق .. فقد سيطر الإنسان على الطبيعة، وصار -كما يقول جوليان هكسلي في كتابه"الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World- صار الإنسان هو الله المنشيء المريد! [ص224 من الترجمة العربية] ."

بمثل هذه النظرية المبهورة اللاهثة نظر الإنسان إلى"التطور".. ففقد نفسه وفقد رشده! وظن أنه لا يوجد مقياس ثابت للنفس الإنسانية، ولا لشيء البتة في حياة الإنسان ..

ولكنه -لأكثر من سبب، وفي أكثر من جانب- بدأ يفيق! وبدأ يعدل نظرياته .. وإن كان لم يفق بعد إفاقة كاملة، ولم يستطع التغلب الكامل على البهر الذي أصابه في القرن الماضي وبداية القرن العشرين.

فالداروينية الحديثة -التي يمثلها جوليان هكسلي وغيره من العلماء- لم تعد تؤمن -رغم إلحادها بالله- أن الإنسان مجرد حيوان متطور بلا زيادة، يتطور على قاعدته الحيوانية التي صدر عنها [في رأي دارون] وإنما تؤمن بأنه ذو خصائص منفردة متميزة. وأنه يتطور على قاعدته الإنسانية الواضحة الخطوط والسمات، التي تتميز بخصائص معينة أهمها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت