أضل لأن الحيوان من ناحية ليس مطالبا بالارتفاع ولا قادرا عليه. وإنما هو على فطرته الطبيعية حين يأتي ما يأتي من أعمال. وليس من شأنه أن يقدّر"قيما"لأعماله. ومن ثم فهو لا يخالف عن طبيعته ولا عن الدور المقدر له في الحياة. والحيوان من ناحية أخرى له غريزة تضبط أعماله وتقف بها عند الحد الملائم لفطرته، فتمنع عنه الإسراف والشطط بالنسبة للمقاييس الحيوانية وبالنسبة للقصد الذي يقصده الخالق منه، وإن كان الحيوان ذاته يأتيه بلا عي ولا اختيار.
أما الإنسان الذي لا يستفيد بطاقات روحه -مع أنه ما زال محتويا على عنصر الروح- فهو أضل. لأنه يخالف فطرته السوية ويهبط عنها، وفي الوقت ذاته يسرف ويشتط، لأنه -وقد عطّل الضابط الإرادي الذي وهبه له الله متمثلا في نفخة الروح- لا يملك الضابط الغريزي الذي يضبط تصرفات الحيوان.
ويكون ذلك شرا لا شك فيه، وانحرافا عما ينبغي أن يكون عليه الإنسان.
ولكنه كما قلنا انحراف"طبيعي"إذا ترك الإنسان وشأنه، لأنه -وهو مشتمل على استعداد الخير واستعداد الشر- قمين في هذه الحالة أن ينقلب وينتكس إلى أسفل، بسبب ثقلة الطين .. وعندئذ تصدق عليه كل التفسيرات المنحرفة التي تصور الحياة البشرية في صورة حيوانية، كالتفسير المادي للتاريخ، والتفسير الجنسي للسلوك البشري ..
ولكن الله لا يترك الإنسان وشأنه .. !
لقد خلقه. وهو يحبه ويعطف عليه ويريد له الخير ..
ولذلك يرسل الرسل يعرّفونه المنهج الصحيح ويردونه إليه ..
والرسالات إذن ذات مهمة رئيسية في حياة البشرية، وليست نافلة تستغني عنها حين تريد.
والإنسان إما أن يهتدي بهذا الهدي الإلهي، فيجعل لروحه قياد كيانه الممتزج المترابط، ويكون في وضعه الصحيح بالنسبة للفطرة، وإما أن يرفض الهدى، ويجعل القياد لجسمه وشهواته، فهو كالأنعام بل هو أضل. وهو منتكس بروحه إلى أسفل، وغارق بكيانه في الطين.
وهذا هو التفسير"النفسي"للخير والشر في كيان الإنسان .. وهو تفسير واضح بسيط، لا يتخبط تخبط"الفلسفات"التي تشطح هنا وتشطح هناك، وتتجافى المنبع الأصيل الذي ينبغي أن ترجع إليه في قياس الخير والشر في كيان الإنسان .. وهو فطرة ذلك الإنسان!