ويكون ذلك الخير خيرًا في جميع الأحوال والملابسات، والأطوار والبيئات .. لأنه ناشئ عن الحقيقة الطبيعية"للإنسان".. الإنسان عامة في كل زمان ومكان.
والإنسان -بطبيعته المزدوجة- قابل قبولا طبيعيًا أن يتخذ هذا الوضع أو ذاك: وضع سيطرة الجسم على الكيان الممتزج، أو سيطرة الروح. أي أنه مشتمل -بصورة طبيعية- على استعداد للخير واستعداد للشر: ["وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"[1] ."إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" [2] ."وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"] [3] .
بل إنه -حين يترك وشأنه- أكثر ميلا لأن يستجيب لثقلة الطين: ["وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا"[4] ."لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ" [5] ].
ومن ذلك ينشأ الشر في حياة الإنسان ويملأ وجه الأرض: ["ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ"] [6] .
وليس هذا الشر ناشئًا من الاستجابة إلى دوافع الجسم. فهذا بذاته لا ينشئ شرا، بل ينشأ عنه الخير حين يكون في الصورة التي وصفناها من قبل.
إن الجسم ليس شريرًا بذاته، ولا منبوذًا ولا محتقرًا ولا ساقطًا من الحساب. فهو لم يخلق عبثًا .. تعالى الله عن العبث وعن عدم القصد .. وإنما الجسم هو وعاء الطاقة الحيوية العاملة النشيطة التي تعمّر الأرض، وتستخرج كنوزها وتستغل طاقاتها، وتنشئ وتبني وتنتج، فتسمح للحياة الإنسانية بالوجود والبقاء، والامتداد والارتقاء ..
والاستجابة لدوافع الجسم هي التي ينشأ عنها الوجود والحركة والعمل والإنتاج .. وكل ذلك مطلوب ومقصود، لأنه الأداة التي تقوم عليها خلافة الإنسان عن الله في الأرض، والتي بغيرها لا يكون لهذه الخلافة معنى ولا وجود.
فليس الجسم ولا الاستجابة لدوافعه هما منبع الشر في حياة الإنسان.
إنما الشر -كما أسلفنا- ينشأ من تولي الجسم قيادة الكيان المجتمع المترابط الذي ينبغي أن تتولى قياده الروح، بحكم النشأة الطبيعية التي جعلت الإنسان إنسانًا، ورفعته عن الحيوان، وقد كان قمينا أن يكون حيوانا لولا تلك النفخة العلوية في قبضة الطين.
وحين يلغي الإنسان كيانه الروحي [وهو تعبير مجازي، لأنه لا يحدث -بغير خلل وظيفي- أن يصبح الإنسان جسدا خالصا بغير روح] أي حين يجعل الجسم هو صاحب القياد، فتنطمس إشعاعة الروح المضيئة وتبو في عتامة الطين .. فحينذاك ينشأ الشر، وحينذاك يهبط الإنسان إلى مستوى أسوأ من مستوى الحيوان رغم أنه ما زال محتويا على عنصر الروح!
يهبط .. لأنه لا يستخدم طاقات روحه:
"لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" [7] .
والإشارة إلى القلوب والأعين والآذان ليس المقصود بها الحواس الظاهرة بطبيعة الحال، وإنما المقصود ما وراءها من وعي وفهم وإدراك، والاستفادة بما يُرى ويُسمع ويُحس، في انتهاج النهج السوي واتخاذ الطريق المستقيم.
عندئذ يصبح الإنسان كالأنعام [أي كالحيوان] بل أضل.
(1) سورة البلد [10] .
(2) سورة الإنسان [3] .
(3) سورة الشمس [7 - 10] .
(4) سورة النساء [28] .
(5) سورة التين [4 - 5] .
(6) سورة الروم [41] .
(7) سورة الأعراف [179] .