الصفحة 152 من 169

"قدرته على التفكير الخاص والعام -التوحيد النسبي لعملياته العقلية بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان- وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والكنيسة (الجماعة الدينية) وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها"ثم"أنه لا مثيل له بين الحيوانات الراقية في طريقة تطوره [1] ".

وليس يهمنا هنا أن نناقش فكرة التطور من أساسها، ومدى صحتها العلمية. فالعلماء البيولوجيون يتولون ذلك، ويناقشون بالفعل أسس النظرية على ضوء الأبحاث العلمية الحديثة.

وإنما يهمنا أن نثبت نقطة واحدة من كلام الداروينية الحديثة هي القاعدة الإنسانية للإنسان التي يتطور على أساسها. فهناك إذن على أقل تقدير خطوط عريضة ثابتة في الكيان الإنساني، يزيدها التطور ثباتا ورسوخا وتعمقا نحو الإنسانية، ولا ينحرف بها خارج نطاق الإنسان ..

تلك نقطة رئيسية في البحث ..

ثم هناك مجموعة من الحقائق الهامة في الموضوع.

إن التغير الاقتصادي والاجتماعي والحضاري والعلمي الذي حدث في القرنين الأخيرين، والذي ظل مستمرًا في الحقيقة منذ بداية عهد الإنسان إلى العصر الحاضر، قد غبّر"صورة"الحياة ولم يغبر جوهرها ...

ولنأخذ مثلا رغبة اتخاذ السكن ..

إنها رغبة فطرية .. يحققها إنسان الغابات باتخاذ"عش"معلق في الشجرة، وإنسان المراعي باتخاذ مثابة من البوص والغاب، وإنسان الزراعة بكوخ من الطين، وإنسان المدينة ببيت مشيد أو عمارة .. وقد يتخذ إنسان الفضاء غدا سفينة فضاء يسكن فيها وينتقل بها بين الكواكب .. فما الذي تغيّر؟

تغيرت"الصورة"التي تتحقق بها الرغبة الفطرية. تغيرت بتغير الإمكانيات المادية والعلمية، وتطور قدرات الإنسان العقلية والفنية. ولكنها ظلت في خطها الأصيل. وحين تطورت، تطورت على قاعدتها الإنسانية المتخصصة، لا على أي قاعدة أخرى [الحيوان لا يطور مسكنه!] والقاعدة الإنسانية هنا ترتكز على ركائز إنسانية متفردة هي القدرة على استخدام الأدوات والاستفادة من"الأفكار"السابقة، ثم النزعة إلى"الجمال"، التي تسعى دائمًا لتجميل ما هو كائن بالفعل، لتصل به إلى"الكمال"بقدر ما يتحقق في عالم الإنسان.

الجوهر إذن لم يتغير، وإنما"تطور"على خط امتداده الأصيل، الذي ترسم إمكانياته فطرة الإنسان ذاتها، وليست هناك عوامل أخرى غير فطرة الإنسان هي التي أحدثت التطور. فالكون المادي .. أو القوى المادية التي يعزو إليها التفسير المادي للتاريخ كل تطور في حياة الإنسان .. هذه القوى موجودة بالنسبة للحيوان .. والحيوان يتطور فيما يقول دارون .. ولكنه -على فرض صحة النظرية- يتطور على قاعدة حيوانية لا تشبه في شيء تطور الإنسان ..

ومن ثم فالعنصر الفعال في الأمر هو الإنسان. الإنسان بفطرته المنفردة، المتطورة في حدود هذه الفطرة وعلى خطوطها الأصيلة، والتي تزداد -كلما تطورت- رسوخًا وتعمقًا في القاعدة الإنسانية، لا تحيد عنها إلى فطرة أخرى، أو تسير بلا هدى من خطوط الفطرة الأصيلة!

ولنأخذ رغبة اللبس ..

إنها رغبة أخرى فطرية .. يحققها سكان الغابات بمنطقة من الجلد أو الريش تستر العورة، ويحققها البدوي غزلا خشنًا من الصوف، ويحققها المدني نسيجا متقنا وأزياء متفننة .. فما الذي تغيّر؟

تغيرت الصورة التي تتحقق بها الرغبة الفطرية بتغير الإمكانيات المادية والعلمية وتطور قدرات الإنسان .. ولكنها تتغير وتتطور على قاعدتها الإنسانية المتخصصة المتفردة، المرتكزة على ذات الركائز الإنسانية: القدرة على استخدام الأدوات، والاستفادة من الأفكار السابقة، والنزعة إلى الجمال ...

(1) من كتاب"الإنسان في العالم الحديث"تأليف جوليان هكسلي، ترجمة حسن خطاب ومراجعة عبد الحليم منتصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت