الصفحة 153 من 169

ثم تنحرف هذه الفطرة في العالم الغربي فتنتكس نحو العرى .. فهل يعتبر ذلك إلغاء للفطرة أو إعلانا عمليًا بعدم وجودها؛ وأن الأمر في مسألة اللبس متروك"للتطور"الاجتماعي الذي لا يرتكز على أساس ثابت؟!

هذا هو الوهم الذي يقع فيه بعض"علماء"الغرب الحديث ..

فهذا"التطور"المزعوم -رغم انحرافه عن الفطرة وانتكاسه- لم يغادر ركيزته الإنسانية المتخصصة مغادرة كاملة. فالمرأة التي تتعرى في الغرب الحديث تظن أنها هكذا أجمل .. فهي إذن نزعة جمالية .. لكنها منحرفة.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فما زالت -فيما عدا حالات الشذوذ المرضي- تستر ذات الأماكن التي اتجهت الفطرة إلى سترها منذ بدء التاريخ الإنساني ["فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ"] [1] .

والأمر الثالث -الذي سنتحدث عنه في النقطة التالية- هو أن هذا الانحراف عن الفطرة لم يسعد البشرية .. وإنما أحدث لها القلق والاضطراب .. لأنه خروج على الفطرة، وكل خروج على الفطرة لا بد أن يحدث في النهاية الشقاء!

إنما نريد أن نقول قبل الانتقال إلى هذه النقطة، إن الدوافع الفطرية كلها التي تحدثنا عنها على أنها"مكونات"النفس الإنسانية لم ينلها أي تغيير جذري حين تغيرت صورة الحياة في القرنين الأخيرين هذا التغير الشامل .. وإنما تغيرت فقط الصورة التي تتحقق بها الرغبة الفطرية دون تغيير في منبعها ولا في خط تطورها المرسوم من لدن الفطرة التي فطرها الله.

فما زالت الرغبة الدافعة الأولى هي حب الحياة .. يتخذ صورًا شتى ولكنه هو هو حب الحياة والتشبث بها والرغبة بالاستمتاع بما فيها من متاع.

وما زالت الرغبة في حفظ الذات، وما يتفرع عنها تفرعًا مباشرًا من مطعم ومشرب وملبس ومسكن .. هي ذاتها لم تتحور، ولم تتحول عن وجهتها، وإنما تغيرت الصور التي يحفظ بها الإنسان ذاته ..

وما زالت رغبة الجنس هي رغبة الجنس الفطرية العميقة في كيان الجنسين ..

وما زالت رغبة الاقتناء والملك هي رغبة الاقتناء والملك. وحين حاربتها الدول الشيوعية وحاولت استئصالها من النفوس تغلبت الفطرة في نهاية الأمر، واضطرت الدول الشيوعية إلى التزحزح عن موقفها المعاند، فأباحت اقتناء بعض الأشياء، وأباحت اختلاف الأجور بين الطبقة الواحدة، لمن شاء من العمال والصناع أن يبذل مزيدًا من الجهد ليحصل على مزيد من الأجر"يقتني"به ما يباح اقتناؤه من الأشياء!

وما زالت نزعة القتال هي نزعة القتال .. تتخذ صورًا شتى .. من أول المباريات الرياضية إلى التهديد بتدمير العالم كله بالصواريخ!!

وما زال حب البروز هو حب البروز .. يتخذ صورًا شتى .. من"خدمة الجماعة"إلى الدكتاتورية والطغيان!!

فحين نقول إن هذه هي"الدوافع الفطرية"في كيان الإنسان، فما الذي تغيّر إذن في كيان الإنسان حين انتقل من حياة الغابة إلى غزو الفضاء؟!!

والنقطة الثالثة التي أشرنا إليها آنفًا هي أن الفطرة قد تنحرف انحرافًا قاسيًا عن خط سيرها الأصيل .. ولكنا نخطئ إذا ظننا أن هذا الانحراف"تطور"أصاب الفطرة في جوهرها فغيّر مسارها .. والأمر ليس متروكا لأوهامنا نتخيل كيف نشاء.

(1) سورة طه [121] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت