الصفحة 154 من 169

ففي الفطرة مثلا حياء جنسي يجعل الأنثى تظهر ثم تختفي ليبحث عنها الرجل ويتعب في البحث عنها حتى يملكها في النهاية. ولهذه الفطرة حكمتها .. فهي تضمن للأنثى -فطريًا- أن تحصل على رجل يستحق أن تكل إليه أمرها وتهبه نفسها، بعد أن يثبت أنه أهل لذلك. وتضمن لها فطريًا كذلك ألا ينصرف عنها حين يجدها سهلة بين يديه يحصل عليها بأقل الجهد. وقد تدرك الأنثى هذه الفطرة إدراكا واعيا وقد لا ندرك .. ولكنها -على فطرتها السوية- تنصرف دائما بموجب هذه الفطرة وعلى خطوطها المرسومة.

ثم جاء العصر الحديث"فحرر"المرأة ..

وقد تحدثت في كتاب"معركة التقاليد"عن قصة التحرر هذه، فلن أعيدها في هذا المكان. وإنما نأخذ الأمر من واقعه الحالي .. تحررت المرأة وتعرت في ذات الوقت. وفقدت -في الغرب المتحضر- حياءها الجنسي، فصارت في كل ملبسها وحركاتها وتصرفاتها تعمل -علانية- على إغراء الرجل، ودعوته -بشتى السبل- أن يقضي معها دافع الجنس.

فما الذي حدث؟!

حدثت نتائج عظيمة الخطورة من وجهة النظر التي نبحث فيها ..

حدث أن الرجل -في أمريكا المتحررة إلى أقصى حد، وفي دول الشمال في أوربا كذلك -صار هو الذي يتدلل و"يتعزز!"والأنثى تجري وراءة وترتمي في أحضانه. ليقبّلها .. ذلك أنه انصرف عنها حين ابتذلت نفسها له وخلعت حياءها الفطري، الذي كان يضمن لها -فطريا- أن يكون الرجل هو الذي يسعى إليها!

وصارت الفتاة -في حلبات الرقص هناك- تتودد وتتظرف لتحصل على رقصة من شاب، فإذا أخفقت كل محاولات الإثارة والإغراء انكفأت تبكي في مرارة .. علنا في المرقص .. لأنها لم تنل أحد الشبان!

فهي إذن لم تسعد حين غادرت خط فطرتها الأصيل، وإن توهمت أنها تحصل على متاع بغير حد!

وحدث أن خرج جيل من الأولاد الذكور مخنثين ومصابين بنسبة عالية من الشذوذ الجنسي في ذات البلاد التي خلعت المرأة فيها حياءها ونزلت إلى السوق تصطاد هي الرجال! والعلاقة دقيقة ومتشابكة بين خروج المرأة هكذا وانتشار الشذوذ الجنسي في الأجيال الحديثة في أوربا وأمريكا .. فالطفل الذكر يتلبس لا شعوريا بشخصية أبيه بوصفه الجنس الغالب. وذلك جزء من الفطرة! فلما تحررت المرأة، وخلعت -فيما خلعت- حياءها، وصارت تشبه الرجل أو تريد أن تشبهه في كل شيء، تشوش الأمر في نفس الطفل الذكر، وصار يتلبس -لا شعوريا- بشخصية أمه بوصفها الجنس الغالب على الوضع الجديد! فينشأ -من الوجهة النفسية- خليطا شاذا من شخصيته المذكرة الأصيلة وشخصية أمه المؤنثة، فيصبح شديد الاستهداف للشذوذ الجنسي [1] !

فالأجيال الناشئة لم تسعد إذن حين غادرت الأم خط فطرتها الأصيل ..

وحدث أن فسدت الحياة الأسرية فارتفعت نسبة الطلاق في أمريكا إلى 40%، وهي نسبة بشعة جدا، معناها تهدم الأسرة وانحلال روابطها وشقاء زيجاتها وعدم استقرارها. وهو أمر شديد الاتصال بالفتنة الدائمة التي تقدمها المرأة للرجل [والرجل للمرأة] الفتنة التي تجعل متاع الحس هو مقياس الحياة، وتجعل الزواج يبدو شيئا بليدا خامدا لا فتنة فيه ولا إغراء! فما أسرع ما تنفصم العرى ويبحث كل من الزوجين عن صيد جديد. فإذا حالت قوانين الدولة دون الطلاق -كما في الدول الكاثوليكية- حدث ما هو أشنع من الطلاق، وهو المحافظة على الرباط الرسمي مع اتخاذ العشاق والعشيقات للهرب من جحيم الأسرة المفككة العواطف النافرة القلوب!

(1) هذه التجربة الجديدة في الغرب لم تبحث هناك بحثا كافيا من الوجهة النفسية. ولكنها حكمة قديمة يعرفها الشرق، حين يقول عن الولد المائع المخنث إنه"تربية أمه"! وهي حقيقة نفسية عميقة .. مع اختلاف الظروف الظاهرية في الموضوع!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت